فهرس الكتاب
فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم الناس بالتأهب للقتال ، وسار لفتح مكة سرا ، ففتحها في السنة الثامنة من الهجرة.
ولما بلغ هوازن فتح مكة ، جمعهم أميرهم مالك بن عوف النصري لقتال المسلمين ، وكانت غزوة حنين التي شهدها دريد بن الصّمّة في شوال في السنة الثامنة ، ثم حاصر النبي بعدها الطائف بضعا وعشرين ليلة ، وقاتلهم قتالا شديدا ، ورماهم بالنبل والمنجنيق.
ثم خرج النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في رجب سنة تسع إلى غزوة تبوك ، وهي آخر غزواته ، وفيها نزلت أكثر آيات سورة براءة.
ولما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم من غزوة تبوك أراد الحج ، ولكنه تذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم ، ويطوفون بالبيت عراة ، فكره مخالطتهم ، وبعث أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه أميرا على الحج تلك السنة ، ليقيم للناس مناسكهم ويعلم المشركين ألا يحجوا بعد عامهم هذا ، وأن ينادي في الناس: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ، ليكون مبلّغا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، لكونه عصبة له. وقال له: «أخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا» .
فخرج علي راكبا العضباء ناقة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فأدرك أبا بكر في ذي الحليفة ، وأمّ أبو بكر الناس في الحج ، وقرأ عليّ على الناس صدر سورة براءة وذلك يوم النحر بمنى سنة تسع.
روى الإمام أحمد والترمذي في التفسير عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بعثه ببراءة مع أبي بكر ، فلما بلغ ذا الحليفة قال: «لا يبلّغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي» فبعث بها مع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.
وروى البخاري أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بعث عليا سنة تسع ، فأذن يوم النحر بمنى بصدر سورة براءة ، وأن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان.
وروى أحمد والترمذي والنسائي عن زيد بن يثيغ رجل من همدان قال: سألنا عليا بأي شيء بعثت؟ يعني يوم بعثه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم مع أبي بكر في الحجة ، قال: «بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم عهد فعهده إلى مدته ، ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا» [1]
(1) - التفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (10 / 91)