فإذا تابعنا شخصية يوسف - عليه السلام - فإننا لا نفتقد في موقف واحد من مواقف القصة ملامح هذه الشخصية ، المنبثقة من مقوماتها الذاتية البيئية الواقعية ، المتمثلة في كونه «العبد الصالح - الإنسان - بكل بشريته ، مع نشأته في بيت النبوة وتربيته ودينه» ..
فهو في السجن وظلماته - مع الظلم وظلماته! - لا يغفل عن الدعوة لدينه ، في كياسة وتلطف - مع الحزم والفصل - وفي إدراك لطبيعة البيئة ومداخل النفوس فيها .. كما أنه لا يغفل عن حسن تمثيله بشخصه وأدبه وسلوكه لدينه هذا الذي يدعو إليه في سجنه:
«ودخل معه السجن فتيان. قال أحدهما: إني أراني أعصر خمرا ، وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه. نبئنا بتأويله ، إنا نراك من المحسنين. قال: لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ، ذلكما مما علمني ربي ، إني تركت ملة قوم لا يؤمنون باللّه وهم بالآخرة هم كافرون.
واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نشرك باللّه من شي ء ، ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. يا صاحبي السجن ، أأرباب متفرقون خير أم اللّه الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللّه بها من سلطان ، إن الحكم إلا اللّه ،أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يا صاحبي السجن ، أما أحدكما فيسقي ربه خمرا ، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ، قضي الأمر الذي فيه تستفتيان» ..
وهو - مع هذا كله - بشر ، فيه ضعف البشر. فهو يتطلب الخلاص من سجنه ، بمحاولة إيصال خبره إلى الملك ، لعله يكشف المؤامرة الظالمة التي جاءت به إلى السجن المظلم. وإن كان اللّه - سبحانه - شاء أن يعلمه أن يقطع الرجاء إلا منه وحده:
«وقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك. فأنساه الشيطان ذكر ربه. فلبث في السجن بضع سنين ...» .
ثم تطالعنا ملامح هذه الشخصية كذلك بعد بضع سنين ، وقد رأى الملك رؤياه ، فحار في تأويلها الكهنة والسدنة حتى تذكر صاحب السجن يوسف - بعد ما تمت التربية الربانية للعبد الصالح ، فاطمأن إلى قدر اللّه به واطمأن إلى مصيره - حتى إذا ما طلب الملك - بعد تأويله لرؤياه - أن يأتوه به ، أجاب في هدوء المطمئن الواثق وتمنع عن مغادرة سجنه إلا بعد تحقيق تهمته وتبرئة سمعته: «وقال الملك: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات.