فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 1681

يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ، إن كنتم للرؤيا تعبرون. قالوا: أضغاث أحلام ، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون. يوسف أيها الصديق ، أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون. قال: تزرعون سبع سنين دأبا ، فما حصدتم فذروه في سنبله ، إلا قليلا مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن. إلا قليلا مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون .. وقال الملك: ائتوني به .. فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى ربك فاسأله: ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم. قال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: حاش للّه! ما علمنا عليه من سوء. قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق ، أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين.

ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين. وما أبرىء نفسي ، إن النفس لأمارة بالسوء ، إلا ما رحم ربي ، إن ربي غفور رحيم .. وقال الملك: ائتوني به أستخلصه لنفسي ، فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين. قال: اجعلني على خزائن الأرض ، إني حفيظ عليم» ..

ومنذ هذه اللحظة التي تجلت فيها شخصية يوسف مكتملة ناضجة واعية ، مطمئنة ساكنة واثقة ، نجد هذه الشخصية تتفرد على مسرح الأحداث ، وتتوارى تماما شخصيات الملك والعزيز والنسوة والبيئة. ويمهد السياق القرآني لهذا التحول في القصة وفي الواقع بقوله:

«وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ ، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ. وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ» ..

ومنذ هذه اللحظة نجد هذه الشخصية تواجه ألوانا أخرى من الابتلاءات ، تختلف في طبيعتها عن الألوان الأولى وتواجهها بذلك الاكتمال الناضج الواعي ، وبتلك الطمأنينة الساكنة الواثقة.

نجد يوسف وهو يواجه - للمرة الأولى - إخوته بعد ما فعلوا به تلك الفعلة القديمة وهو في الموقف الأعلى بالقياس إليهم والأقوى .. ولكننا نجد سمة الضبط واضحة في انفعالاته وتصرفاته: «وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون. ولما جهزهم بجهازهم قال: ائتوني بأخ لكم من أبيكم ، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون.

قالوا: سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون. وقال لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون» ..

ونجده وهو يدبر - بتدبير اللّه له - كيف يأخذ أخاه. فنلمح الشخصية الناضجة الواعية الحكيمة المطمئنة ، الضابطة الصابرة: «وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ: قالَ: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت