فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 1681

وهذا التعقيب يترابط مع التقديم للقصة في الاتجاه ذاته: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ ، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» ..والتقديم والتعقيب على هذا النحو يؤلفان مؤثرا موحيا من المؤثرات الكثيرة في سياق السورة ، لتقرير الحقيقة التي يعرضانها ، وتوكيدها في مواجهة الاعتراض والتكذيب.

ومن ثم يعقب ذلك التسرية عن قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وتهوين أمر المكذبين على نفسه.

وبيان مدى عنادهم وإصرارهم وعماهم عن الآيات المبثوثة في كتاب الكون ، وهي حسب الفطرة السليمة في التنبه إلى دلائل الإيمان ، والاستماع إلى الدعوة والبرهان. ثم تهديدهم بعذاب اللّه الذي قد يفاجئهم وهم غافلون: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ. وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ. أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟» ..

وهي إيقاعات مؤثرة بقدر ما تحمل من حقائق عميقة عن طبيعة الناس حين لا يدينون بدين اللّه الصحيح.

وبخاصة في قوله تعالى: «وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ» ..

فهذا هو التصوير العميق لكثير من النفوس التي يختلط فيها الإيمان بالشرك ، لأنها لم تحسم في قضية التوحيد.

وهنا يجيء الإيقاع الكبير العميق المؤثر الموحي ، بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تحديد طريقه وتميزها وإفرادها عن كل طريق ، والمفاصلة على أساسها الواضح الفريد:

«قُلْ: هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ، وَسُبْحانَ اللَّهِ ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..

ثم تختم السورة بإيقاع آخر يحمل عبرة القصص القرآني كله ، في هذه السورة وفي سواها. يحملها للنبي - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه ، ومعها التثبيت والتسرية والبشرى ويحملها للمشركين المعاندين ، ومعها التذكير والعظة والنذير. كما أن فيها للجميع تقريرا لصدق الوحي وصدق الرسول وتقريرا لحقيقة الوحي وحقيقة الرسالة ، مع تخليص هذه الحقيقة من الأوهام والأساطير:

«وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؟ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا ، فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ، ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْ ءٍ ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت