فهرس الكتاب

الصفحة 878 من 1681

وهذا أمر يبدو في ظاهره أنه دراسة من الدراسات التي تخدم القرآن ، مثل تلك الدراسات التي قامت حول الكتاب الكريم ، كأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ ، والمكي والمدني ، والنهارى والليلى ، وما نزل ببيت المقدس ، وما نزل بالطائف ، وما نزل بالسفر ، وما نزل بالحضر ، إلى غير ذلك من تلك الدراسات الكثيرة ، التي تدور في فلك القرآن ، ولا تمس الصميم منه ..

ومن هنا كان خطر هذه الدعوة ، التي قد ينخدع لها كثير من المسلمين ، والتي ربما اندفع في تيارها ، بعض العلماء ، عن نية حسنة ، ومقصد سليم ، إذ كان الأمر في ظاهره دراسة في كتاب اللّه ، وفتحا جديدا ، يعد كشفا من كشوف العلم الحديث في دراسة القرآن ..

ويبدو الخطر الذي يتهدد القرآن من الفتنة ، ماثلا من وجوه:

فأولا: استحالة ضبط صورة القرآن على حسب الترتيب النزولى لآياته ..حيث لم يعرف الترتيب النزولى إلا لعدد محدود من آيات القرآن ، لا تمثل إلا أقل القليل منه .. قد لا تتجاوز بضع آيات ، أو عشرات من الآيات على أكثر تقدير .. وحتى هذا القليل الذي يقال إنه معروف الترتيب ، لم يقع الإجماع بين العلماء عليه ، وحتى أنهم لم يتفقوا على أول ما نزل به الوحى ، كما لم يتفقوا على آخر ما نزل به .. فبينما يقول أكثرهم إن أول ما تلقى النبي من وحي ، هوقوله تعالى: « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » ـ بينما يقول أكثرهم هذا ، يقول بعضهم ـ كما في صحيح مسلم ـ إن أول ما نزل من القرآن « المدثر » كما يقول آخرون ، إن أول ما نزل من القرآن « الفاتحة » ثم نزل بعدها المدثر ، ثم الآيات الثلاث الأولى من سورة « نوح » .وبينما يقول أكثر العلماء ، إن آخر القرآن نزولا هوقوله تعالى: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا » (3:

المائدة)إذ يقول آخرون إن آخر ما نزل من القرآن هو: « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ » ويقول غيرهم إن آخر القرآن نزولا هوقوله تعالى: « وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » (281: البقرة) وفي البخاري أن آخر القرآن نزولا: « يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ » (176: النساء) .

فإذا كان المسلمون لم يتفقوا على أول آيات نزلت من القرآن ، كما لم يتفقوا على آخر ما نزل منه ، فكيف يقع اتفاقهم فيما وراء ذلك ؟ والمعروف أن أوائل الأمور ، وأواخرها أكثر إلفاتا للناس وشدّا لانتباههم ، وإيقاظا لمشاعرهم ، وتعلقا بذاكرتهم ، من غيرها! ثانيا: لو سارت هذه الفتنة إلى غايتها ، وسلّم لأصحابها أن يمضوا بها كما يشاءون ـ ومع افتراض النية الحسنة فيهم ـ فإن الذي سيحدث من هذا هو أن تتغير صورة القرآن تغيرا كبيرا ، لا يصبح معه القرآن قرآنا ، بل سيكون هناك عشرات ، بل مئات وألوف من المصاحف التي تسمى قرآنا ، والتي لا يلتقى واحد منها مع آخر .. وكل ما فيها أنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت