فهرس الكتاب
على تركيا المسلمة جيوش الأعداء ومكر المنافقين ، ولم يرضوا منها إلا أن تتنازل عن الشريعة التي كانت تحكم بقاياها تلك الدول ، واشترطوا عليها إلغاء الخلافة الإسلامية ، ومنصب شيخ الإسلام ، وما تركوها حتى غيروا الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية. ووضعوا القبعة فوق رؤوسهم بدل العمامة ، وسلخوا الولايات الإسلامية التي كانت تابعة لدولة الخلافة ، وتجزأ العالم الإسلامي إلى دول كثيرة ضعيفة هزيلة ، ونالت هذه الدول استقلالها ولكنها لم تنهض من كبوتها ، ولم تملك زمام الأمور في بلادها. وهذه الطريقة التي سلكها أعداؤنا معنا طريقة قديمة معروفة ، استخدمها المستعمرون منذ ألوف السنين ، فقد ذكر ابن كثير في ( البداية والنهاية ) أن الإسكندر المقدوني اليوناني عندما غلب على ملك الفرس ( دارا بن دارا ) وأذل مملكته وخرب بلاده ، واستباح بيضة قومه ، ونهب حواصله ، وفرق شمل الفرس شذر مذره ، وضع خطة تبقي الفرس ضعفاء لا تقوم لهم قائمة ، كي يبقي له السيطرة عليهم ويأمن من انتفاضتهم عليه ومحاربتهم له ، يقول ابن كثير موضحا ما فعله هذا الرجل الداهية بالفرس: ( عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ، ولا يلتئم لهم أمر ، فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في إقليم الأرض ما بين عربها وعجمها ، فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته ، ويحفظ حصته ، ويستغل محلته ، فإذا هلك قام ولده من بعده ، أو أحد قومه ، فاستمر الأمر كذلك قريبا من خمسمائة سنة ، حتى كان أزدشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن ، فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه ، ورجعت الممالك برمتها إليه ، وأزال ممالك الطوائف ، ولم يبق منهم تالد ولا طارف.... ) البداية والنهاية 2/ 183.
قارن بين ما فعله الإسكندر في الماضي البعيد بما فعله الكفار بدولتنا الإسلامية تجد التخطيط واحدا والنتائج واحدة ، بل إن الحال معنا أشد وأقسي ، فإننا لم نعط الاستقلال إلا بعد أن أخذت علينا العهود والمواثيق بأن لا نعود إلى تحكيم الشريعة الإسلامية ، ولا نقيم الكيان السياسي الإسلامي ، كتب اللورد كرومر في الفصل الأخير من كتابه ( مصر الحديثة ) الصادر في سنة 1908م ( إن انجلترا كانت مستعدة لتمنح الحرية السياسية النهائية لكل ممتلكاتها المستعمرة حالما يكون جيل من المفكرين والسياسيين المشحونين بمثل