الصفحة 129 من 164

وهؤلاء ما أرادوا بروايتهم هذا الحديث العمل به، وإنما أرادوا التشغيب وضرب حديث مسلم به، وإلا فلا نعهدهم يعتبرون الثلاثة واحدًا لمن طلق ثلاثة ونوى واحدة. ثم إن الطلاق هزله جد، ومن تلفظ بالثلاثة ونوى بها واحدة وجب على من يعتبرها ثلاثة أن يلزمه بالثلاثة عقوبة له. كما أن من تلفظ بالطلاق ونوى عدمه لا يقبلون منه النية وإنما يلزمونه بما تلفظ به.

قال ابن عباس رضي الله عنه"كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم في أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم"وفي رواية لمسلم أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تُجعَلُ واحدة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم (قد كان ذلك) " (1) ."

فانظر كيف قدموا هنا فعل عمر الموقوف على المرفوع، بينما قدموا المرفوع على موقوف أبي هريرة لما قال للمتطيبة"آلمسجد تريدين يا أمة الجبار". فتارة يقدمون فعل الصحابي على فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتارة يعكسونها!

قال ابن تيمية بعد ذكر هذين الحديثين"ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف هذه السنة بل ما يخالفها إما أنه ضعيف، بل مرجوح. وإما أنه صحيح لا يدل على خلاف ذلك"وقال"ولا نعرف أحدًا طلق على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأته ثلاثًا بكلمة واحدة فألزمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالثلاث ولا روي في ذلك حديث صحيح ولا حسن، ولا نقل أهل الكتب المعتمد عليها في ذلك شيئًا. بل رويت في ذلك أحاديث كلها ضعيفة باتفاق علماء الحديث؛ بل موضوعة" (2) .

الإجماع منعقد على أن الثلاث واحدة

(1) رواه مسلم رقم (1472) .

(2) مجموع الفتاوى 33/71 وانظر ص 12 و13 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت