الصفحة 56 من 999

المعلم الثالث: جمعه في تفسيره بين المأثور والمعقول في التفسير ، واعتماده الرأي المحمود:

ابن القيم رحمه الله أوتي من العلم والحكمة نصيبًا وافرًا ، فجمع في علمه بين المأثور والمعقول ، وكان في ذلك من ( الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه ، وفهموا مراده ، وبلغوه إلى الأمة ، واستنبطوا أسراره وكنوزه ، فهؤلاء مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء ، فانبتت الكلأ والعشب الكثير ، فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم ، وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم .) [1]

كما أنه رحمه الله يعدّ من طبقة العلماء الذين وصفهم بقوله: ( فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ ، والفهم في الدين ، والبصر بالتأويل ؛ ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ، ورزقت فيها فهمًا خاصًا ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ وقد سئل: هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس ؟ فقال ـ: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه [2] .) [3]

وإذا كان الأمر كذلك ؛ فقد ظهرت شخصية ابن القيم الموسوعية في تفسيره ، فكان يجمع فيه المأثور بأنواعه ، ثم يُعمل عقله ، ويبدي رأيه في تحليل تلك النصوص المأثوره ، ويجتهد في التوفيق بين الأقوال التي ظاهرها الاختلاف ، ويرد منها ما لم تثبت صحته ، وما ظهر له مخالفته للأصول المعتبرة ، والقواعد المقررة .

وقد بيّن رحمه الله أنواع الرأي ، وذكر أن منه المحمود ، ومنه المذموم ، ومن المشتبه ، وذكر ما يدخل في كل نوع منها بالتفصيل . [4]

كما بيّن أقسام الناس في اعتبار الرأي ، وذكر أنهم ثلاثة أقسام: طرفان مفرطان مذمومان، ووسط مصيب محمود .

(1) اجتماع الجيوش الإسلامية ص72 .

(2) أخرجه البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب فكاك الأسير - رقم 3047 .

(3) الوابل الصيب ص136 .

(4) انظر تفصيل ذلك في كتاب إعلام الموقعين 2/124-158 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت