الصفحة 57 من 999

فالطرف الأول: أصحاب القياس وأهل الرأي ، الذين حمّلوا النصوص من المعاني فوق ما حملها الشارع ، وقصّروا في حفظ النصوص وتمحيصها .

والطرف الثاني: أصحاب الألفاظ وأهل الظواهر ، الذين قصروا بمعانيها عن مراد الشارع، وبالغوا في ذم الرأي ، بل وأنكروا القياس الصحيح .

والوسط المحمود: أهل الفهم والاستنباط ، الذين هم أهل العلم حقيقة ؛ فجمعوا بين تعظيم النصوص وحفظها ، وفهم معانيها والاستنباط منها . [1]

وقد حرر ابن القيم مسألة حكم التفسير بالرأي ، وجمع بين النصوص التي ورد فيها ذم القول بالرأي في تفسير القرآن ، والآثار التي ثبتت في تفسير الصحابة ومن بعدهم له بالرأي؛ فقال: ( ... عن الشعبي قال: سئل أبو بكر عن الكلالة: فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، أراه ما خلا الوالد والولد. [2]

فإن قيل: كيف يجتمع هذا مع ما صح عنه من قوله: أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي ؟ [3] ، وكيف يجامع هذا الحديث الذي تقدم:"من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" [4] ؟

(1) انظر تفصيل هذه الأقسام في المصدر السابق 2/392-397 .

(2) أخرجه ابن جرير في تفسيره 8/53-54 ، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه 1/490 ، وقال محققه: رجاله ثقات ، إلا أن الشعبي لم يدرك أبا بكر . وانظر تخريجه هذا الأثر في تعليق محقق إعلام الموقعين 3/126-127 [ حاشية ] وقد حكم عليه بالانقطاع .

(3) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن 2/211 ، وابن جرير 1/78 .

(4) أخرجه أحمد في مسنده 5/122،155 رقم 2974 ، 3024 ، والترمذي في جامعه - كتاب تفسير القرآن - باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه - رقم 2951 ، وقال: هذا حديث حسن . وإسناد الحديث ضعيف ، وقد ذكر طرقه ابن كثير في مقدمة تفسيره 1/122-125 [ بتحقيق الحويني ] ، وانظر السلسلة الضعيفة للألباني رقم 1783 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت