الصفحة 59 من 999

ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ ؛ فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط ، إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط ، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم ، والله سبحانه ذم من سمع ظاهرًا مجردًا فأذاعه وأفشاه ، وحمد من استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه. [1]

ويوضحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفي على غير مستنبطه، ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين ، ومن هذا قول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وقد سئل: هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس ؟ فقال: لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه. [2]

ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه ؛ فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب ، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه ، بحيث لا يدخل فيها غير المراد ، ولا يخرج منها شيء من المراد .) [3]

ثم ذكر أمثلة تطبيقية للاستنباط من آيات الكتاب تقرر ما أصّله ، وتوضح ما أشار إليه . [4]

وقد وضع ابن القيم شروطًا لقبول الاستنباط ، وبيّن أن لا يحسُن إلا إذا جمعها ، فقال: (... وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول:

"تفسير على اللفظ . وهو الذي ينحو إليه المتأخرون ."

"وتفسيره على المعنى . وهو الذي يذكره السلف ."

(1) يشير إلى قوله تعالى: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } (النساء: من الآية83) .

(2) سبق تخريجه قريبًا .

(3) إعلام الوقعين 2/397 .

(4) المصدر السابق 2/398-400 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت