الصفحة 69 من 999

هذا من حيث التأصيل . أما من حيث التطبيق ؛ فابن القيم رحمه الله قل أن يتعرض لخلاف في مسألة من مسائل التفسير إلا ويحرص على الموازنة بين الأقوال فيها ، وذكر الصحيح منها ، أو المختار ، كما يحرص على بيان الضعيف المردود منها ، أو المفضول الذي لا ينبغي تقديمه على ما هو أولى منه .

وقد تبيّن لي من خلال التتبع لاختياراته وترجيحاته أن طريقته في ذلك لا تخرج عن هذه الأقسام:

القسم الأول: حكمه على جميع الأقوال بالصحة ، وتأكيده على أن الآية تحتمل كل هذه الأقوال ، أو أن هذه الأقوال تدور كلها حول معنى كلي واحد يجمع جميع معانيها .

وهذا القسم يعد الجانب الأظهر من جوانب الاختيار عن ابن القيم ، وهو شديد الحرص على هذه الطريقة .

والأمثلة على هذا القسم كثيرة جدًا ، ومنها:

قوله في تفسير"الصراط المستقيم"وما هو ؟:( وأما ما هو الصراط المستقيم ؟ فنذكر فيه قولًا وجيزًا ؛ فإن الناس قد تنوعت عباراتهم فيه ، وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته ، وحقيقته شيء واحد: وهو طريق الله الذي نصبه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلًا لعباده إليه ، ولا طريق لهم إليه سواه ، بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو: إفراده بالعبودية ، وإفراد رسوله بالطاعة ؛ فلا يشرك به أحدًا في عبوديته ، ولا يشرك برسوله أحدًا في طاعته ؛ فيجرد التوحيد ويجرد متابعة الرسول ...

وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .

فأي شيء فُسّر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين .) [1]

ومن أقواله القيّمة في هذا ، وهي مشتملة على عدة أمثلة: ( فقوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } (البقرة: من الآية186) يتناول نوعي الدعاء [2] ، وبكل منهما فسرت الآية:

قيل: أعطيه إذا سألني .

(1) بدائع الفوائد باختصار يسير .

(2) يقصد: دعاء المسألة ، ودعاء العبادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت