الصفحة 41 من 57

كالهرِّ يحكي انتفاخًا صَولةَ الأسدِ ... يتوهّم من ينظر إلى المنتسبين إلى العلم من بعيدٍ، ويرقبُ شيئًا من المظاهر العلميّة كجداول الدُّروس والمحاضرات، أنَّ الرَّسمِيِّين ممن تضلَّع بالعلوم الشرعيَّة وتشبَّعَ بكُتبِ الفقهِ والحَدِيثِ حفظًا وفهمًا، وألفَ كتبَ الفروعِ والقواعدِ الفقهيَّة، وجردَ مطوّلاتِ الأصول والاعتقاد، ولم يبقَ لهُ إلاَّ العَمَلُ بما يعلَم والصَّدعُ بالحقِّ وبيانُهُ.

وهذا التصوُّرُ لا نصيبَ له من الصحَّة، وهو أبعدُ ما يكون عن واقع هؤلاء الرسميِّين، إلاَّ أنَّ القريبَ من الواقعِ يلحَظُ بعدَهُم عنه وعزوفَهم عن معايشته، والقريبَ من الأوساطِ العلميَّة يلحَظُ قصورَهُم الظَّاهرَ في العلوم الشرعيَّة.

ومثلُ هذا النسبة الزائفة إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة النجديَّة، التي يتوهَّمُها البعيد عنهم، أو البعيدُ عن أئمَّة الدعوة النجديَّة، وقد برَّأ الله أولئك الأئمَّة الأعلام من هؤلاء المدّعين، والأدهى والأغربُ أنَّهم يتصوّرون تمثيلهم لهذه الدعوة المباركة وقيامَهُم بها على أتمِّ وجهٍ.

وواقعُ الرسميِّين في علومِ الاعتقادِ، والتفسيرِ، والفقهِ، والحديثِ، وأُصول الفقهِ، واللغةِ؛ يمثّل صورةً من غياب العلم الشرعيِّ واندراسِهِ، ويُذكِّر بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"حتّى إذا لم يُبقِ عالمًا اتّخذ النَّاسُ رؤوسًا جهّالًا؛ فسُئلوا فأفتوا بغيرِ علمٍ فضلُّوا وأضلُّوا".

وهم مع هذا قليلو الاطّلاع على كتب فنون العلم، لا تكاد تجد فيهم من اطَّلع في الفقه على أكثر من الروض المربع والمُغني في بعض المسائل، ولا من قرأ الدرر السنيَّة، أو طالع شيئًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم في الاعتقاد حاشا المتون المختصرة كالواسطية والتدمرية، ولا من له اطّلاع متوسّط على كتبِ شروحِ الحديثِ، أو على الكتب الأُمَّاتِ في التفسير كالقرطبي وابن جريرٍ الطبريِّ.

وهذا لا يعني انعدامَ من يُحسنُ شيئًا من العلوم نظريًّا، فمنهم من يجيد مسائل الاعتقاد، ومنهم من له بصرٌ بالأصول والقواعد وتعمُّقٌ فيها، مع انعدامِ من له بأوّلياتِ علومِ الحديثِ المتنوّعة إلمامٌ، ومع خلوِّهم التامِّ من إدراكِ شيءٍ من علوم اللغة، حتّى إنَّ من يُحسن متن الآجرُّوميَّة في النحو ولا يحسن غيره في النحو ولا سائر علوم اللغة، يعدُّ إذا قيس إليهم لُغويًّا مُجيدًا.

وقد تأمَّلتُ كثيرًا من فتاواهُم فرأيتُها فتاوى معتزلةٍ، لا تستند إلاّ إلى التحسين والتقبيح في كثيرٍ منها، بل سمعتُ منهم من يجوِّز صورةً من صور الرِّبا الصريح الذي لا يُختلفُ فيه متعلّلًا بأنَّ من الناس من يحتاجُ إليهِ، ولو جُمعَت الفتاوى المنكرة التي تصدر عنهم لاحتاجت إلى مُجلَّداتٍ.

أمَّا منزلةُ من يُفتي بالنصوص بعد أن يعرف ناسخَها ومنسوخَها، ومُجْملَها ومُبيَّنها، ويجمع بين متعارِضِها، بعد أن ينقُدَها ويستخرِجَ صحيحَها من ضعيفِها، ومحفوظَها من شاذِّها، وغريبَها من مشهورِها، ويحقِّق في معاني الآياتِ واختلاف المفسِّرينَ، ثمَّ يُخرِّج الفروع على الأصولِ، ويُعيدُ المسائلَ إلى القواعِدِ، أمَّا هذه المنزلةُ فلا ذكرَ لها ولا وجودَ لمن يحسنها، مع كثرةِ ما يطرقُ سمعَكَ اسمُ العالم العلاّمة، والألقاب الأعجميَّة من السماحةِ والفضيلةِ، ولكنَّها:

ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضِعِها

ولو تأمَّلتَ واقعَ طلبَةِ العلمِ وتحصيلَهُم وقستَ إليهِ ما لدى هؤلاء الرسميِّينَ وجدتَ لكثيرٍ من طلبةِ العلمِ من الفهمِ والتحقيقِ، مع التفنُّنِ والتوسُّعِ في علوم الشريعة، وجودة الفهم وحسن الاطّلاع والمعرفة بمظانِّ المسائل ومواضعِ الأدلَّةِ، ما ليسَ للرسميِّينَ عُشرُ معشارِهِ.

وهذا الجانبُ لا بدَّ من بيانِهِ وإيضاحِهِ، وإن كانَ المُتكلِّمُ أقلَّ حظًّا في العلمِ من الحال التي وصفَ، وأبعدَ عن الكفايةِ من هؤلاءِ الرسميِّينَ، فمن الجنايةِ على الدينِ وأهلهِ أن يُقدَّمَ فاقد الأهليَّةِ للأمّة عالمًا ومُفتيًا ومُوجّهًا وقَائدًا، ويُطالبُ الناس بتعطيلِ الأحكامِ من أجلِهِ، ويُعطى من الحقوقِ ما ليسَ إلاَّ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بحجّة كونه عالمًا، ثمَّ يُسكتُ عن بيانِ حقيقةِ حالِهِ، ومقدارِ أهليَّتِهِ.

ولهذا المَعلمِ تمامٌ يردُ بإذنِ اللهِ في المعلمِ الثَّالثِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت