يكاد يجتمع المخالفون للمجاهدين والمعترضون عليهم في الاعتماد الكلِّيِّ على المصالح والمفاسد، والإعراض التامِّ، أو الحديث باقتضابٍ عن أصول الأدلَّةِ الشرعيَّة، وقد تقدَّم في الحديث عن (أُغلوطة المحافظة على الواقعِ) أنَّ الواقع الموجود مفسدةٌ قائمةٌ لا تفتأ تزدادُ وتتضاعفُ بمرِّ الأيَّامِ، فتمام الفقه في الدين القيام على درء هذه المفسدة، لا لأنَّ المجاهدين رأوا فيه المصلحة، بل لأنه الأمرُ الشرعيُّ من قبلَ ذلكَ مع تضمّنه للمصالح الظاهرة، وما لا نعلمه من المصالح الباطنةِ ويعلمه اللهُ مما تضمَّنه الأمر الشرعيُّ.
وأكثر ما دخل منه المنافقون والعصرانيون والعلمانيون في تشويه الدين اليوم والتلاعب به وتحريف نصوصه وتبديل أحكامه باب المصالح والمفاسد؛ لمَّا رأوا أنَّ الدخول فيه لا يحتاج إلى آلةٍ أو رسوخِ قدمٍ في العلم الشرعيِّ، وكثيرٌ من الرسميين أو دعاة الصحوة الَّذين قلبوا للمجاهدين ظهر المجنِّ، يستند استنادًا تامًّا إلى الاستدلال بالمصالح والمفاسد لضعفه العلميِّ، سواء ضعفه في نفسه، أو ضعفه في الموقف الَّذي وقفه أعزلَ عن الأدلَّة، مجرّدًا عن البيِّنة والحجَّة.
ودليل الاستصلاح من أكثر ما تكلَّم فيه أهل العلم من الأدلَّة، ومن أكثر ما اختلفوا فيه، ومن أقلِّ الأبواب ضبطًا وتحريرًا في كلام الأصوليِّينَ، والكلام في تأصيلِ البابِ وتفصيلِه يطول جدًّا ولا يستوعبه هذا المختصر، ولا يمكن استعراضه في موطنٍ ورد فيه بالتبع، وإنَّما أُنبِّهُ بالقواعدِ التسع التي ذكرتُها في رسالة:"انتقاض الاعتراض على تفجيرات الرياض"، وأعيدُها هنا وإن كانت كُتبت أمثلةً لا على جهة الحصر:
أولًا: أنَّ المفسدة التي ثبت الحكم مع وجودها بدليلٍ (من نصٍّ أو تقريرٍ أو إجماع أو قياسٍ) غير معتبرة.
ثانيًا: أنَّ المفسدة التي تُلغِي الحكم، هي الخارجة عن المعتاد في مثلِه، الزائدة عن المفسدة اللازمة لأصله.
ثالثًا: أنَّ المفسدة التي يُفضي اعتبارها إلى تعطيل شعيرةٍ من شعائر الدين لاغيةٌ.
رابعًا: أنَّ الضرر الخاص يحتمل لدفع الضرر العام.
خامسًا: أنَّ النَّاظر في المصالح والمفاسد في أمر يكون نظره فيه لكل من يناله هذا الأمر من المسلمين.
سادسًا: أنَّ ترك أصول الدِّين ووقوع الشِّرك أعظم المفاسد على الإطلاق.
سابعًا: أنَّ تقدير المفسدة في أمرٍ، يكون لأهل العلم الشَّرعيِّ والمعرفة الدنيويِّة به.
ثامنًا: أنَّ اجتهاد الأمير في تقدير المصالح والمفاسد ما لم يكن مفسدةً محضةً، مقدَّمٌ على غيره.
تاسعًا: أنَّ النَّاظر في المصالح والمفاسد يُحاسب على ما كانت أماراته ظاهرةً وقت نظره، لا على ما وقع في نفسِ الأمرِ، إذ لا يعلم الغيبَ إلاَّ الله، وقد قدَّر النّبي صلى الله عليه وسلم أمورًا من أمر الجهاد وكذا من بعده من المجاهدين، فوقعت على غير ما ظنَّ وقدَّر.
أولًا: أنَّ المفسدة التي ثبت الحكم مع وجودها بدليلٍ - من نصٍّ أو تقريرٍ أو إجماع أو قياسٍ - غير معتبرة:
فأمَّا القاعدةُ الأولى، فتُخرج إيرادَ من يُورد وجود مفسدةٍ في الجهاد مع العلم بأنَّ هذه المفسدة بعينها كانت موجودةً زمن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كإيراد من يُورِدُ ذهاب الطَّاقات الدعويَّة، ونحوه ويقول: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وقد كان النّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخرج في الجهاد كلَّ أحدٍ دون تفريقٍ، وكذا الصَّحابة حتّى قُتل في حرب مسيلمة مئاتٌ من القُرّاء، وهذه الحُجَّة باطلةٌ بوجود المفسدة المذكورة زمن النّبي صلى الله عليه وسلم دون أن يُعطّل الحكم لها، وبالنّصِّ على بطلانها، والرد عليها في الآيات:"قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت"،"قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتلُ إلى مضاجعهم."
كما تُخرج إيرادَ من يُورد جرَّ العدوِّ إلى بلاد المسلمين، لوجود ذلك زمن النّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حين بادأ قريشًا بالقتال، وجاؤوا للمدينة في غزوة بدرٍ، وأحدٍ.
وتُخرج أيضًا: من يُورد ذهاب الأمنِ، وزعزعة البلاد، فإنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق أخرج الجيوش، وقال: والله لو جرّت الكلاب أرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما تركت إخراج الجيوش، أو كما قال رضي الله عنه، مع أنَّه إن كان ملزمًا بإخراج جيش أسامة بالنّصِّ، فإنَّ قتال المرتدِّين ليسوا كذلك، مع علمه بأنَّ بعض الأعراب حول المدينةِ كانوا يتربّصون.
ثانيًا: أنَّ المفسدة التي تُلغِي الحكم، هي الخارجة عن المعتاد في مثلِه، الزائدة عن المفسدة اللازمة لأصله:
وأمَّا القاعدة الثانيَّة، فلأنَّ من الأحكام ما بُني على نوعِ ضررٍ، فالموتُ إن ترتّب على واجب الأمر المعروف والنهي عن المنكر، كان ضررًا يسقط به الوجوب، أمَّا إن ترتّب على القتال فلا، لأنَّ القتال مبناه على تلف الأنفس والأموال.
كما أنَّ القتال يلزمُ منه ردُّ العدوِّ، وانتقامه، ومحاولة النيل من المسلمين، وحصول شيءٍ من مآربه هذه له ولا محالة، وقد سبى المشركون في أحدٍ امرأة من المسلمين، فهذه المفاسد لا يُعطَّل الجهاد لها، لأنَّها لم تخرج عن المعتاد في مثله، وهي ملازمةٌ لكل قتال وجهادٍ.
وهذا مطّردٌ في سائر الأحكام، فالزَّكاة يُدفع فيها المال الكثيرُ، ولا تكون كثرتُه مسقطةً لها، ولو أنَّ رجلًا ثريًّا احتاج الماء لطهارة الصَّلاة، فلم يحصل له إلاَّ بأكثر من ثمن المثل، لم يجب عليه أن يشتريه وجاز له التيمّم، وإن كان يدفع في الزَّكاة أضعاف أضعافِ ثمن المال، وهكذا.
ثالثًا: أنَّ المفسدة التي يُفضي اعتبارها إلى تعطيل شعيرةٍ من شعائر الدين لاغيةٌ:
وأمَّا القاعدة الثالثة: فإنَّ الاستدلال بالمفسدة على إلغاء حكمٍ من الأحكام، إن أريد به إلغاؤه لمدةٍ قليلةٍ، أو في مكانٍ دون مكانٍ، صحَّ، بخلاف ما إذا أُريد به تعطيل أصل الحكم، كما يفعل من يريد تعطيل الجهاد، فيستدلُّ بشيءٍ من أدلّتهم المعروفة، والتي لو طُردت لأغلق باب شعيرة الجهاد بالكلِّيَّة.
رابعًا: أنَّ الضرر الخاص يحتمل لدفع الضرر العام:
والقاعدة الرابعةُ: تفيد احتمال ضرر قتل التُّرس مثلًا لدفع الضرر عن عموم المسلمين، كما تفيد احتمال وقوع شيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمراتِ في شيءٍ من بلاد الإسلام، لدفع الضرر عن عامَّة بلاد المسلمين.
خامسًا: أنَّ النَّاظر في المصالح والمفاسد في أمر يكون نظره فيه لكل من يناله هذا الأمر من المسلمين:
والقاعدة الخامسةُ: تردُّ على من يقيس المصالح والمفاسد في بلدٍ من بلاد الإسلام، ويجزم بترجيح المفسدةِ، دون أن يكون في نظرِه أصلًا، ما تحصَّله من مصالح في بلاد المسلمين الأخرى، فجهاد الكُفَّار يُحقّق مصلحة النكاية التي هي السبيل إلى دفعهم عن بلاد الإسلام، وكلَّما وسِّع ميدان القتال ازدادت النكاية أضعافًا كثيرةً، من جهة الخوف والرعب، ومن جهة تكاليف الأمن المرهقة لاقتصادهم، ومن جهة توقّعهم للعمليَّات في كلِّ بلدٍ فيه مسلمٌ يخشونه، ومن جهة تعطُّل مصالحهم التي هي حربٌ لله ورسوله في كل بلد.
ومشروعُ القاعدة مشروعٌ جهاديٌّ عالميٌّ، محصَّله لمجموع الأمة، وهؤلاء ينظرون للجبهة الداخليَّة وحدها، ويُغفلون عند النظر بلاد المسلمين الأخرى، ولا يلتفتون إليها، ولا يوردون ذكرها، ولا هم يسعون في دفع العدوان عنها بما يندفع بمثله، ولا يحرّضون على ذلك.
سادسًا: أنَّ ترك أصول الدِّين ووقوع الشِّرك أعظم المفاسد على الإطلاق:
والقاعدة السادسة: مهمَّةٌ في الرَّدِّ على من والى الكُفَّار، أو سوّغ ذلك، أو اعتذر لمن فعله بحجّة المصلحة، فإنَّهم لن يحصّلوا مصلحةً أعظم مما فوّتوه من التوحيد، ولن يتّقوا مفسدةً أعظم مما وقعوا فيه من الشِّرك.
ولا يُورد على هذا لزومُ قتال كل كافرٍ على الفور، والخروج على كلِّ حاكمٍ مرتدٍّ مهما كانت القوّة والقدرة، فإنَّ حديثنا عن الموازنة بين فعل الرجل للشرك وركوبه المفسدة، وبين حفظه للتوحيد وتحصيله المصلحة، لا عن تأخير إزالة الشِّرك الذي يفعله المشركون.
سابعًا: أنَّ تقدير المفسدة في أمرٍ، يكون لأهل العلم الشَّرعيِّ والمعرفة الدنيويِّة به:
ومن القاعدة السابعة تعلم أنَّ من لا يعرف جنس المصالح الواقعة في الجهاد، ولا بصر له به من تجربةٍ أو دراسةٍ ومعرفةٍ تقوم مقام التجربة لا يمكنه النظر في عين المفسدة هل هي من المعتاد في الجهاد الذي لا يكون جهادٌ بدونه أم هي طارئة وخارجةٌ عن الطَّاقة، ونحو ذلك.
كما أنَّ من ليس له علمٌ شرعيٌّ ونظرٌ صحيح، لا يمكنه وإن عرف المفسدة، أن يُوازن بين المفاسد الدنيويَّة التي تقع والأضرار الدينيَّة، ونحو ذلك، وكلٌّ من الجانبين له من الأهمِّيَّة ما يُحرّم على جاهله الحديث في المسألة.
ثامنًا: أنَّ اجتهاد الأمير في تقدير المصالح والمفاسد ما لم يكن مفسدةً محضةً، مقدَّمٌ على غيره:
والقاعدة الثَّامنة، تكون في كلِّ جيشٍ، كتنظيم القاعدة: يُقدم على عملٍ جهاديٍّ، فإنَّ آحاد الجيش قد يختلف تقديرهم للمصالح والمفاسدِ، ولا يمكن أن يُخالف الواحد منهم أميرهُ وقد فعل الأمير ما أمر به، فنظر نظرًا صحيحًا في المسألةِ، واختار ما أمرهم به.
والمجاهدون الذين قاموا بهذا العمل المبارك، ائتمروا بأمر أميرهم، سواء كان أسامة، أو من أمَّره عليهم أسامة في الجزيرةِ، وصدروا عنه، وليس لهم أن يتركوا الجهاد لتقديرٍ يُقدّره أحدُهم. اهـ من الانتقاض.
والمتعلّلون بالمصالح والمفاسد المحتجّون بها من المتراجعين، ينظرون في مصالح ويُهملون مصالح، ويتحاشون مفاسد ويرتكبون مفاسدَ، فمنها ضربهم المجاهدين والحركات الجهاديَّة، وتوهينهم من جانبها، في الحركات الَّتي يُقرُّ أكثر الناس بصحّتها كالجهاد في العراق.
ومنها تقوية الطاغوت المفسد وشدُّ أزرهِ، حين شعر بالانتصار وتوهَّم أنَّه أمسك بزمام الأمور وما قد يتبع ذلك من طغيانِه وأذيّته للمؤمنين وسدِّه أبوابَ الخير.
ومنها: أنَّهم سهَّلوا للطاغوت التسلّط على من بيده من المجاهدين، فلو قطع أعناقهم في الصفاة من الغدِ بعد أن أوهَم الناس أنَّهم لا مستند لهم ولا قائل بقولهم، وأنَّ المؤيدين لهم تراجعوا عن تأييدِهم، وأعلمُ من أحوال المجاهدين أنَّ الشهادة أحبُّ إلى كلِّ واحدٍ منهم من الحياة، وأعلمُ من الشريعةِ أنَّ الشهادة لهم أختُ النصر فهما الحُسنيَانِ، ولكنَّ كون العاقبة للمجاهدين مصلحة، لا ينفي كون المعين عليهم مرتكبًا مفسدةً، فالجهة منفكَّةٌ والحكم مختلفٌ في حقِّ كلٍّ.
وقد كان ناصرٌ الفهد يقول: لا أكتب كتابةً يُضرب بها المجاهدون، وإن رأيتُ منهم خطأً بيّنتُ لهم فيما بيني وبينهم، وفي هذا بعض النظر، إلاَّ أنَّ المقصود الَّذي ذهب إليهِ مقصودٌ صحيحٌ، والحقُّ أنَّ البيان الممنوع في أخطاء المجاهدين هو ما كان فيه تشويهٌ لصورتهم ولمزٌ لهم، أو ما يُفهم منه البراءةُ منهم، أمَّا ما كان تخطئة لفعلٍ من أفعال بعض المجاهدين مع حفظ حقوقهم الشرعية وسدّ الباب على المغرضِ فمشروعٌ، كما يُشرع البيانُ في سائر الأفعالِ والأقوال.
ومن المهمّ التنبيه إلى النقل الَّذي ذكره ناصرٌ الفهد عن ابن القيِّم أنَّه قال: إذا كان الأمر ملتبسًا فلينظر إلى نتيجته ومآله، واستدلَّ به على تحريم عملية المحيا المباركةِ، وبقطع النظر عن كون النتائج التي استند إليها أكاذيب من الطواغيت، فإنَّ القاعدةَ التي ذكرها ابنُ القيّم محلُّها الأمر الملتبسُ المتردّد، فالنظر في النتيجة فيه قرينةٌ للترجيح بين قولين، وليس دليلًا مستقلًا يقومُ بحكمٍ من الأحكامِ، وسأوردُ التنبيهات التي ذكرها هو في التنكيل عند الكلام عن المصالح، على ما في بعضها من إجمالٍ محتاجٍ إلى التبيين والتفصيل:
تنبيهات في مسألة المصلحة:
الأمر الأول: أن النظر إلى المصلحة يكون عند عدم الدليل الشرعي المعارض.
الأمر الثاني: أن أعظم مصلحة يُنظر إليها مصلحة الحفاظ على الدين.
الأمر الثالث: أن المصالح الشرعيَّة المعتبرة ليست منوطة بأهواء الناس وشهواتهم.
الأمر الرابع: أن الاستدلال بمجرد قاعدة المصالح لا يسوغ.
الأمر الخامس: أن الدليل الشرعي حيث وجد فهناك المصلحة، وحيث وُجدت المصلحة فقد دل عليها الدليل. انتهى النقل عن التنكيل.