الصفحة 30 من 470

إن هذه الآية الكريمة تأمر نساء المؤمنين بإخفاء كل من هذه الزِّيَنِ بدون استثناء فهي لا تستثني منها زينة من زينة إلا =ما ظهر منها+، و=ما ظهر منها+ مبهم لم يفسره الكتاب والسنة، بل إبقاءه على إبهامه، وإنما رُوِي في ذلك أقوال من الصحابة والتابعين ولا شك أن هذه الأقوال لو صحت واتفقت لكانت رافعة للإبهام والنزاع معًا، ولكنها اضطربت وتخالفت فاستحقت أن نتركها عملًا بقوله تعالى: [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ] (النساء:59) وإذا تركنا هذه الأقوال عاد ذلك الإبهام، وبقي كما كان، وستعلم أن بقاءه خير وأرفق بالأمة.

والذي يجمل بنا حول تلك الأقوال هو أن نبحث أولًا عن معنى هذه الآية في ضوء نصوص أخرى، مراعيًا لغة العرب التي نزل بها القرآن، وقواعدها التي يستقيم بها الكلام، حتى يتبين لنا ما هو أقرب إلى الصواب، وأشبه بالقبول، فأقول مستعينًا بالله العلي العظيم:

إن الله تعالى حينما نهى عن إبداء الزينة أسند الفعل إلى النساء، وجاء به متعديًا على مفعوله الذي هو الزينة حيث قال: [ولا يبدين زينتهن] .

ولكنه لما أورد الاستثناء غَيَّرَ التعبيرَ، فجاء بالفعل اللازم بدل المتعدي، ولم يسنده إلى النساء بل أسنده إلى الزينة نفسها حيث قال: [إلا ما ظهر منها] ولم يقل: [إلا ما أظهرن منها] ، وهذا يعني أن المرأة مأمورة بإخفاء الزينة كلها مطلقًا، وليس لها الخيار في إبداء شيء منها لإطلاق قوله تعالى: [ولا يبدين زينتهن] نعم إنها إذا التزمت بالإخفاء، وتقيدت به ثم ظهر من زينتها شيء من غير أن تُقصِّر وتُفرط في الإخفاء، ومن غير أن تقصد وتتعمد الإبداء، فإنها لا تعاقب على ذلك، ولا تؤاخذ به عند الله تعالى؛ لقوله: [إلا ما ظهر منها] .

هذا يفهم من سياق هذه الآية وهو الذي يقتضيه نظم الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت