فهرس الكتاب
ولكن الناس يحسنون الأخذ ولا يحسنون الشكر ويمرحون من النعم ولا يقدرون وليها تبارك اسمه ! وعندما يبلغ هذا الجحود مداه ، وعندما ينعقد الإصرار عليه فلا ينحل بندم ولا توبة ، عندئذ تدق قوارع الغضب أبواب الأمم ! وتسود الوجوه بهزائم الدنيا قبل نكال الآخرة . . إن الله لا يتغير ولكن الناس هم الذين يتغيرون ، وذلك معنى الآية: (( …إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم … ) ). ولما كان الخطاب الإلهي في الآيات التى ذكرنا يعنى أهل مكة المنهزمين، فلنعد بالذاكرة مع ماضى القوم ، وما ضم في أطوائه من رفاهة ونعماء . . لقد امتن الله على قريش بأمرين جليلين هما الغاية القصوى للحياة على ظهر الأرض: الشبع وهو ملاك الحريات الاقتصادية . والأمن وهو ملاك الحريات السياسية. ومن ثم قال لهم: (( فليعبدوا رب هذا البيت ، الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف ) ). وما أحلى أن يجد المجتمع ضروراته ومرفهاته مبذولة لا تنغصها أزمة ، ولا يعكرها ضيق ! وما أحلى أن يجد المجتمع كرامته مصونة لا يهدرها باغ ، ولا يستبيحها حاكم ظلوم ! . . الشبع والأمان هما العدل الاجتماعى والعدل ! السياسى اللذان تهفو إليهما الأمم ، وتسعد في ظلهما الشعوب ، فإذا ظفر بذلك بلد ، فمن حق الله عليه أن يؤمن به ، ويسارع إلى طاعته ، ويحل حلاله ، ويحرم حرامه . . غير أن الأمم للأسف كثيرا ما تنسى هذا الخير كله ، وتتمرد على بارئها الأعلى ، وقد حرم الله قريشا ما تيسر لها من متع ، ثم قال يصف ما حل بها: (( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) ). ص _064