فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 214

الجوع والخوف بدل الشبع والأمان اللذين طالما استراحت في ظلهما . تلك عقبى لامحيص عنها لكل جحود ! وننظر إلى زعماء مكة وهم يقادون أسرى في طرقات المدينة بعد الهزيمة التى كسرت غرورهم ، وأدبت شراستهم ، وهنا نجد القرآن الكريم ينصح المنكسرين فيدلهم على طريق الكرامة الضائعة والطمأنينة المفقودة: (( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم … ) ). وهذا- مرة أخرى- هو طريق النجاة ، أن تنطوي القلوب على الخير، وتحسن علاقتها بالناس ورب الناس . إن هؤلاء الأسرى المنكسرين خرجوا من ديارهم- كما وصف القرآن: (( …بطرا و رئاء الناس و يصدون عن سبيل الله … ) ). وليس أحق بالقمع وإذلال الأنف ، من أناس تستخفي أنفسهم وراء أسوار من الصلف والغطرسة ، ويريدون بأعمالهم العلو في الأرض والظهور بين الناس. والأنكى من هذا الشر أنهم يمقتون الوحي وحملته ، ويطاردون الإسلام ورسالته ، واتخذوا هذا القرآن مهجورا ، وجعلوا سبيل الله موحشة لطول ما ترادف على سالكيها من أنواء وأعباء . . وها هم أولاء مطروحون في أغلالهم لا عاصم ولا مجير ، وقد تلقوا درسا موجعا يردهم إلى الله لو عقلوا ، ترى هل يستفيدون منه ؟ إن التوبة معروضة عليهم ، واسترجاع ما يحبون ميسر لهم . بيد أن الله لا يخدع ، فالعودة إليه استقامة قلب لا شقشقة لسان ، وإذا حاول الطبع البشرى أن يغدر فإن الله بالمرصاد ، ولذلك يقول الله لنبيه: (( وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ) ). إن استنارة الفكر ، وصفاء النفس ، والتسامى بالطباع ، وتهذيب الباطن قد تحسب كلمات رائجة في ميدان التربية وحسب ، وهذا خطأ ، إنها كلمات اجتماعية وسياسية إلى جانب معناها الشائع . ص _065

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت