الصفحة 114 من 318

قلت: وجه هذا السؤال تثبيت الحجة علي قومه وإكذاب لهم في ادعائهم ذلك عليه وأنه أمرهم به فهو كما يقول القائل للآخر أأنت فعلت كذا ؟ وهو يعلم أنه لم يفعله وإنما أراد تعظيم ذلك الفعل , فنفى عن نفسه هذه المقالة , وقال { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } فاعترف بالعبودية وأنه ليس بإله كما زعمت وادعت فيه النصارى (1) .

** الدراسة **

مذهب جمهور المفسرين أن هذا القول منه سبحانه وإنما هو يوم القيامة , والنكتة توبيخ عُبَّاد المسيح وأمه من النصارى .

قال الرازي: وهو أصح لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله { هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } , والمراد به يوم القيامة .

وفي قوله تعالى: { أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } سؤالان: أحدهما: أن الاستفهام كيف يليق بعلام الغيوب ؟ وثانيهما: أنه كان عالما بأن عيسى - عليه السلام - لم يقل ذلك فلم خاطبه به ؟ فإن قلتم: الغرض منه توبيخ النصارى وتقريعهم , فيقول: إن أحدًا من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى ومريم مع القول بنفي إلهية الله تعالى فكيف يجوز أن ينسب هذا القول إليهم مع أن أحدًا لم يقل به منهم ؟

والجواب علي السؤال الأول أنه استفهام على سبيل الإنكار .

والجواب عن السؤال الثاني أن الإله هو الخالق والنصارى يعتقدون أن خالق المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى - عليه السلام - ومريم ، والله تعالي ما خلقها البتة .

وإذا كان كذلك فالنصارى قد قالوا إن خالق تلك المعجزات هو عيسى ومريم والله تعالي ليس خالقها ، فصح أنهم أثبتوا في حق الأشياء كون عيسى ومريم إلهين له مع أن الله تعالى ليس إلهًا له فصح بهذا التأويل هذه الحكاية والرواية (2)

(1) ... تحفة الأحوذي 8 / 345 .

(2) ... تفسير الفخر الرازي 6 / 111 , 112 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت