فهرس الكتاب
وقال القرطبي اختلف في وقت هذه المقالة فقال قتاده وابن جريج واكثر المفسرين إنما يقول له هذا يوم القيامة ... وهو أصح يدل عليه ما قبله من قول { يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ } الآية ، وما بعده { هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ }
واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال - وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام - على قولين:
أحدهما أنه سأله عن ذلك توبيخًا لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأنشد في التوبيخ والتقريع .
والثاني: قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غيرَّوا بعده وادعوا عليه ما لم يقله .. , فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم إلهًا فكيف قال ذلك فيهم ؟
قيل لما كان من قولهم لم تلد بشرًا وإنما ولدت إلهًا لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضية بمثابة من ولدته فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له (1) .
غير أن شيخ المفسرين الإمام الطبري كان له رأي آخر في وقت هذا السؤال إذ يقول:"وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك قول من قال بقول السدي وهو أن الله تعالى ذكره قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه , وأن الخبر خبر عما مضى لعلتين:"
إحداهما: أن ( إذ) إنما تصاحب- في الأعم الأغلب من كلام العرب المستعمل- الماضي من الفعل وإن كانت قد تدخلها أحيانًا في موضع الخبر إذا عرف السامعون معناها وذلك غير فاش ولا فصيح في كلامهم وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر - ما وجد إليه السبيل - أولى من توجيهها إلي الأجهل الأنكر .
والأخرى: أن عيسى لم يشك - هو ولا أحد من الأنبياء - أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه فيجوز أن يتوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربه تعالى ذكره: إن تعذب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
(1) ... تفسير القرطبي 3 / 315 .