فهرس الكتاب
قلت: قد فرق القرآن الكريم بين"الكبائر والفواحش"حين عطف إحداهما على الأخرى في قوله سبحانه { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } (1) , وقوله { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ } (2) وفي الوقت ذاته أطلق القرآن الكريم لفظ"فاحشة"علي بعض"الكبائر"قال تعالى { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا } (3) , وقال أيضًا { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلًا } (4) وبناء على ذلك فإن من الممكن أن يقال إن"الفاحشة والكبيرة"لفظان يجتمعان إذا انفردا وينفردان إذا اجتمعا .
وعلى هذا فالمقصود بـ الفواحش في الآية الكريمة هي الكبائر - كما قال المباركفوري - ولا يتعارض هذا مع ما ذكره الرازي في تفسيره حين قال: عن ابن عباس كانوا يكرهون الزنا علانية ويفعلون ذلك سرًا فنهاهم الله عن الزنا علانية وسرًا"."
والأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين بل يجري على عمومه في جميع الفواحش - ظاهرها وباطنها - لأن اللفظ عام والمعنى الموجب لهذا النهي - وهو كونه فاحشة - عام أيضًا ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على خلاف الدليل , ثم قال: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق واعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش إلا أنه تعالى أفرده بالذكر لفائدتين إحداهما: أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم والتفخيم كقوله"وملائكته ورسله وجبريل وميكال"، والثانية: أنه تعالى أراد أن يستثني منه ولا يتأتى هذا الاستثناء في جملة الفواحش (5) .
(1) ... سورة الشورى: 37 .
(2) ... سورة النجم: 32 .
(3) ... سورة الإسراء: 32 .
(4) ... سورة النساء: 22 .
(5) ... تفسير الرازي 7 / 191 .