وما ورد عن النبى - صلى الله عليه وسلم - من أنه نهى ناسًا عن البكاء فمحمول على المعنى الثانى ومثله ما في حديث عائشة عند الشيخين - واللفظ لمسلم - قالت"لما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل ابن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يعرف في وجهه الحزن قالت وأنا أنظر من صائر الباب ( شق الباب) فأتاه رجل فقال يا رسول الله إن نساء جعفر ( وذكر بكائهن ) فأمره أن يذهب فينهاهن . فذهب ـ فأتاه فذكر أنهن لم يطعنه ، فأمره الثانية أن يذهب فينهاهن فذهب ثم أتاه فقال والله لقد غلبتنا يا رسول الله قالت - الراوية عن عائشة - فزعمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال"اذهب فاحث في أفواههن التراب"قالت عائشة: فقلت أرغم الله أنفك والله . ما تفعل ما أمرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وما تركت رسول الله من العناء . ((1) )"
قال الإمام الصنعانى ((2) ) يحمل على أنه كان بكاء بتصويت (النياحة) فأمر بالنهى عنه ولو بحثو التراب في أفواههن وعليه فإن المرء إذا أوصى بالنوح عليه - وكذا إذا لم يوص بتركه - فإنه يعذب به - هكذا قال النووى في فتاويه ((3) .
وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -"الميت يعذب ببكاء أهله عليه". ((4) )
(1) محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسنى الصنعانى من بيت الإمامة في اليمن ، ولد بمدينة كحلان ونشأ وتوفى بصنعاء ، ووله نحو مائة مؤلف منها توضيح الأفكار ، سبل السلام ، شرح لجامع الصغير والرد على من قال بوحدة الوجود وغيرها . ت 1182 هـ . الأعلام للزركلى ( 6/38) ط دار العلم للملايين .
(2) سبل السلام شرح بلوغ المرام ( 2/581) مكتبة عاطف .
(3) المسائل المنثورة 91 ط دار السلام .
(4) مسلم ك الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (928) .