فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 91

ومنها ما هو غامض خفي أو هو خفي على أكثر الناس، فلا يكاد يفهمه اللبيب فضلًا عن غيره إلا بعد نظر وفكر، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يُحشر المتكبرون يومَ القيامة أمثالَ الذَّرِّ في صُوَر الرجال، يَغْشاهم الذلُّ من كل مكان، فيساقون إلى سجن في جهنم يُسَمَّى بُولَسَ تعلوهم نار الأَنْيار، يُسقون من عُصارة أهل النار؛ طينة الخَبَال» (1) .

فحشرُهم أمثال الذر واضح في باب الجزاء من جنس العمل، فلما تكبروا على الله عز وجل وعلى خلقه أذلهم في الآخرة وصغرهم وحقرهم.

لكن تعذيبهم بسقيهم من طينة الخَبَال يحتاج إلى فكر لتظهر علاقته بمجازاة المتكبرين من جنس عملهم.

فيقال: (طينة الخبال) : هي عصارة أهل النار ـ كما هي مفسرة في الحديث ـ وهي ما يسيل منهم من القيح والدم وغيره، و (الخبال) في الأصل: الفساد، ويكون ـ كما في «النهاية» ـ في الأفعال والأبدان والعقول.

وإنما سميت بذلك لشدة فسادها وقوة إفسادها، ولما كان المتكبرون من أشد الناس فسادًا وأكثرهم إفسادًا في الأرض، خاصة إذا كانوا ملوكًا وسلاطين، كان هذا الجزاء مناسبًا لحالهم وأعمالهم.

وأيضًا، فإن المتكبرين لا يصدر عنهم كبرهم واحتقارهم للناس وللحق وأهله إلا عن فساد وخَبَل في عقولهم وفِطَرهم، فناسب أن يجازوا بسقيهم من طينة الخبال والفساد، جزاءً وفاقًا.

ومنها ما هو أقل خفاءً من هذا، كقوله تعالى: + وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا" [الإنسان:12] ."

فجعل سبحانه نعومة الحرير جزاء ما قاسوه من خشونة الصبر، وسعة الجنة جزاء ما كانوا فيه من حبس الصبر، كما نبه إليه الإمام ابن القيم، وسيأتي أثناء الكتاب.

وغير ذلك من الأمثلة، مما سيراه القارئ واضحًا جليًا، إن شاء الله تعالى.

(1) أخرجه الترمذي (2492) ، وأحمد (2/179) ، وقال الترمذي: «حسن صحيح» ، وحسنه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت