فهرس الكتاب
وهذا المثل هو لمن كان فيهم آمن ثم كفر، وهؤلاء الذين يُعطَون في الآخرة نورًا ثم يُطفأ، ولهذا قال: +فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ"إلى الإسلام في الباطن."
وقال قتادة ومقاتل: لا يرجعون عن ضلالهم.
وقال السدّي: لا يرجعون إلى الإسلام. يعني: في الباطن، وإلا فهم يظهرونه.
وهذا المثل إنما يكون في الدنيا، وهذا المثل مضروب لبعضهم، وهم الذين آمنوا ثم كفروا، وأما الذين لم يزالوا منافقين فضرب لهم المثل الآخر، وهو قوله: +أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ" [البقرة: 19] ."
وهذا أصح القولين، فإن المفسرين اختلفوا؛ هل المثلان مضروبان لهم كلهم، أو هذا المثل لبعضهم؟ على قولين.
والثاني هو الصواب؛ لأنه قال: +أَوْ كَصَيِّبٍ"، وإنما يثبت بها أحد الأمرين، فدلّ ذلك على أنهم مثلهم هذا أو هذا، فإنهم لا يخرجون عن المثلين، بل بعضهم يشبه هذا وبعضهم يشبه هذا، ولو كانوا كلهم يشبهون المثلين لم يذكر «أو» ، بل يذكر «الواو» العاطفة»."
«مجموع الفتاوى» (7/273 ـ 276) .
وقال ابن القيم: «قال ابن عباس وغيره من السلف: مثل هؤلاء في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة، فاستضاء ورأى ما حوله، فاتقى مما يخاف، فبينما هو كذلك إذ طُفئت نارُه، فبقي في ظلمة خائفًا مُتحيرًا، كذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمِنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم، فذلك نورهم، فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف.
قال مجاهد: إضاءة النار لهم: إقبالهم إلى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم إلى المشركين والضلالة.
وقد فُسِّرت تلك الإضاءة وذهاب النور بأنها في الدنيا، وفُسِّرت بالبرزخ، وفُسِّرت بيوم القيامة.