فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 91

فالكفر والمعاصي والفسوق كُلُّه غُمومٌ، وكلما عزم العبدُ أن يخرج منه أَبَتْ عليه نفسُه وشيطانُه ومَأْلفُه، فلا يزال في غَمّ ذلك حتى يموت، فإن لم يخرج من غمِّ ذلك في الدنيا بقي في غمه في البرزخ وفي القيامة، وإن خرج من غمه وضيقه هاهنا خرج منه هناك، فما حَبَسَ العبدَ عن الله في هذه الدار حَبَسَه عنه بعد الموت، وكان مُعَذَّبًا به هناك كما كان قلبه مُعَذَّبًا به في الدنيا، فليس العشاقُ والفَجَرةُ والظَّلَمَةُ في لذة في هذه الدار، وإنما هم يُعذَّبُون فيها وفي البرزخ وفي القيامة، ولكنّ سكر الشهوة وموت القلب حالَ بينهم وبين الشعور بالألم، فإذا حِيل بينهم وبين ما يشتهون أُحْضِرتْ نفوسُهم الألمَ الشديدَ، وصار يعمل فيها بعد الموت نظيرُ ما يعمل الدود في لحومهم، فالآلام تأكل أرواحهم غير أنها لا تفنى، والدُّود يأكل جسومَهم».

«روضة المحبين» (ص 442 ـ 443) .

(33) باب جزاء المحسنين

قال شيخ الإسلام أثناء تفسير قوله تعالى: + ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ ا÷ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ" [الأعراف: 55 و 56] ، قال:"

«ولما كان قوله: +وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا"مشتملًا على جميع مقامات الإيمان والإحسان ـ وهي الحب والخوف والرجاء ـ عَقَّبَها بقوله: +إن رحمة الله قريب من المحسنين"؛ أي: إنما تَنال مَنْ دعاه خوفًا وطمعًا، فهو المحسن والرحمة قريب منه؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة.

ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابل الاعتداء بعدم التضرع والخفية عَقَّب ذلك بقوله تعالى: +إنه لا يحب المعتدين"."

وانتصاب قوله: + تضرعًا وخفية"و+خوفًا وطمعًا"على الحال؛ أي: ادعوه متضرعين إليه مختفين خائفين مطيعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت