فهرس الكتاب
هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلُّهم معه على خصمه، فإنه كُلُّ مَنْ سمع أنه محسنٌ إلى ذلك الغير وهو مُسيءٌ إليه وَجَدَ قَلبَه ودعاءه وهِمَّتَه مع المحسن على المسيء، وذلك أمر فِطري فطر اللهُ عليه عباده، فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرًا لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعًا ولا خبزًا.
هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين: إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى مِن أحبّ الناس إليه، وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه، فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومَنْ جَرَّب هذا عرفه حق المعرفة، والله هو الموفق المعين بيده الخير كله، لا إله غيره، وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمَنِّه وكرمه.
وفي الجملة، ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد عاجلة وآجلة…».
«بدائع الفوائد» (2/243 ـ 244) .
وقال في ضمن كلامه على مشاهد الناس في المعاصي والذنوب (المشهد الحادي عشر) :
«أن يعامل عباد الله في إساءتهم إليه وزلاّتهم معه بما يحب أن يعامله الله به، فإن الجزاء من جنس العمل، فيعمل في ذنوب الخلق معه ما يحب أن يصنعه اللهُ بذنوبه» .
«طريق الهجرتين» (ص308) .
وذكر هذا المشهد في موضع آخر، فقال:
«مشهد الإحسان: … وهو أن يقابل إساءة المسيء إليه بالإحسان، فيحسن إليه كلما أساء هو إليه، ويُهَوِّنُ هذا عليه علمه بأنه قد ربح عليه، وأنه قد أهدى إليه حسناته ومحاها من صحيفته وأثبتها في صحيفة مَنْ أساء إليه، فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك.
وههنا ينفع استحضار مسألة اقتضاء الهبة الثواب، وهذا المسكين قد وهبك حسناته، فإن كنت من أهل الكرم فأَثِبْهُ عليها، لتَثبتَ الهبةُ وتأمنَ رجوع الواهب فيها، وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم وأهل العزائم.