وليس اختلاف تضاد، لأن كل ما ذكروه رحمهم الله تعالى هو من أنواع الباطل الذي يُزَوِّرهُ أهله بتحسينه إلى الناس، وتزيينه في أعينهم؛ ليتبعوهم عليه. فمعنى الآية: إخبار الله تعالى أن عباده لا يحضرون شيئًا من الباطل، لا شركًا ولا كذبًا، ولا غناءً ولا عيدًا من أعياد الجاهلية. ولا يحضرون موائد الخمر والقمار، فميزتهم أنهم لا يحضرون شيئًا مما يوصف شرعًا بأنه باطل وزور, وإذا كانوا لا يحضرونه فمن باب أولى أن لا يقولوا به، ولا يفعلوه فلا يشهدون بما لم يستيقنوا صحته، أو عرفوا بطلانه، ولا يفعلون شيئًا من الباطل, ولا يكثرون سواد أهله، أو يعمرون مجالسهم، وذلك؛ لبغضهم للزور وأهله، ومحبتهم للحق وأهله، لما جعل الله في قلوبهم من الإيمان وألهمهم من الهدى وزادهم من الرشاد فهم كما قال ربهم سبحانه في وصفهم: { يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [الإسراء: 57] .
فدلت آية سورة الفرقان السابقة، وهي قوله تعالى في وصف عباده: { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } [الفرقان: 72] .
تجنب مواطن الزور واجتماعات أهلها:
إنه يتعين على المؤمن الذي يرجو الله واليوم الآخر ويخاف من هول الحساب وشديد العذاب الحق أن يتجنب مواطن الزور، واجتماعات أهلها ومناسباتهم، لما تشتمل عليه من الفسوق والعصيان، ولما ينبعث منها من الفتنة والضلالة؛ خوفًا من ربه، وشُحًّا بدينه، وحذرًا من مكر أعدائه به ومن هذه المواطن التي يجب على المؤمن تجنبها؛ حذرا من شر ما فيها: