الصفحة 71 من 85

وأما حديث: ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ) لم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من ابتدع) وإنما قال: ( من سنَّ ) فإذا نظرنا إلى سبب هذا الحديث علمنا أنه لا تعارض بين الحديثين فالبدعة الشرعية مذمومة مطلقًا , وأما السنة فيوضح معناها سبب الحديث كما في صحيح مسلم (1017) عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: ( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم لِمَا رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى ثم خطب ) فحث الناس على الصدقة قال جرير - رضي الله عنه -: (( فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت, قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب , حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتهلل كأنه مذهبة , فقال: (( من سن في الإسلام ... ) ).

أرأيت أيها المسلم ؛ ليس في الحديث ما يمكن أن يقال عنه: (بدعة) الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حث الناس على الصدقة , ولا شك أن منهم من يريد أن يتصدق لكنه لا يدري ما هي طريقة وأسلوب جمع الصدقة , فبادر ذلك الأنصاري فأتى بتلك الصرة ووضعها بجوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما رآه الناس فعل ذلك فعلوا مثله فكان هذا الرجل هو أول من سن للناس ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سن....) الحديث . فأين البدعة هنا ؟! .

وأما قول الإمام الشافعي فلا يخالف ما ذكرنا فقوله: ( ما أحدث وخالف كتابًاأو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة ) المراد بها البدعة الشرعية .

وقوله: ( وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو المحمود ) والمراد بها هنا: البدعة اللغوية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت