وأخرجه أحمد [1] وأبو نعيم [2] وابن أبي عاصم [3] والبزار [4] والبيهقي [5] وابن عدي [6] .
من طريق عبدالواحد بن ميمون أبي حمزة مولى عروة بن الزبير، عن عروة، عن عائشة أم المؤمنين _رضي الله عنها_ به.
وعبدالواحد هذا قال فيه الحافظ:
=وذكر ابن حبان وابن عدي أنه تفرد به، وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث.
لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد عن عروة، وقال: لم يروه عن عروة إلا يعقوب وعبدالواحد+ [7] .
وقال في موضع آخر:
=وله شاهد في صحيح البخاري+ [8] .
قلت: وسنده عند الطبراني ما يلي:
=حدثنا هارون بن كامل، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا إبراهيم بن سويد المدني، حدثني أبو حزرة يعقوب بن المجاهد، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة، به.
وقال: لم يروه عن أبي حرزة إلا إبراهيم، ولا عن عروة إلا أبو حزرة، وعبدالواحد بن ميمون+اهـ [9] .
إسناده صحيح، رجال ثقات، غير شيخ الطبراني، وقد وصفه بأول حديث له بـ=المصري+، وذكر وفاته الذهبي وسكت عليه [10] .
وظاهر قول الطبراني أنه لم يتفرد به؛ لأنه ذكر التفرد فيمن بعده، والله أعلم.
وعلى أي حال حديث أبي هريرة صححه البخاري +وناهيك به+ وابن حبان.
ولا التفات لقول من رده بحجة أن الله لا يوصف بالتردد [11] .
(1) مسند أحمد (6/256) .
(2) الحلية (1/5) .
(3) السنة لابن أبي عاصم (1/180) رقم414.
(4) كشف الأستار (4/248) رقم3647.
(5) الزهد للبيهقي ص270 رقم698، 699.
(6) الكامل لابن عدي (5/1939) .
(7) فتح الباري (11/341) .
(8) لسان الميزان (4/84) .
(9) الأوسط للطبراني (10/163) رقم9348، ومجمع البحرين (1/423) رقم552.
(10) تاريخ الإسلام للذهبي وفيات 281_290 ص318 رقم560.
(11) قد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ما معنى تردد الله في هذا الحديث فأجاب:
=هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة.
وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب.
وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد.
والتحقيق أن كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح، ولا أحسن بيانًا منه؛ فإذا كان كذلك، كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس، وأجهلهم، وأسوئهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله"عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا _ وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور_ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله."
ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يُحِب من وجه ويكرَه من وجه كما قيل:
الشيب كره، وكره أن أفارقه فأعجب لشيء على البغضاء محبوب
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: =حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره+.
وقال تعالى: [كتب عليكم القتال وهو كره لكم] الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث، فإنه قال: =لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه+، فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد بالنوافل التي يحبها ويحب فعلها فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحب محبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه. =
=والله سبحانه قد قضى بالموت، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه مكروهًا له من وجه.
وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه، مكروهًا من وجه.
وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته، كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته...
ومن هذا الباب ما يقع في الوجود من الكفر، والفسوق، والعصيان؛ فإن الله _تعالى_ يبغض ذلك ويسخطه، ويكرهه وينهى عنه، وهو سبحانه قد قدره وقضاه وشاءه بإرادته الكونية، وإن لم يرده بإرادة دينية، وهذا هو فصل الخطاب فيما تنازع فيه الناس من أنه سبحانه هل يأمر بما لا يريده.. والمقصود هنا التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا في الأفعال فهو في الأشخاص، والله أعلم+ اهـ مجموع الفتاوى (18/129_135) باختصار.