الصفحة 141 من 729

وإذا تبين ذلك فإن قوله تعالى: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ... الآية } ونظائرها من الآيات لا تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى العرب خاصة ؛ لأن تخصيص العرب بالذكر لا ينفي من عداهم ، ولكن المنة عليهم أبلغ وآكد ، ونظير ذلك قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } [ الزحرف: 44] ، وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به [1] .

قال الرازي:"وفي هذه الآية مباحث ، أحدها: احتجاج أهل الكتاب بها ، قالوا: قوله: { بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ } يدل على أنه عليه السلام كان رسولًا إلى الأميين وهم العرب خاصة ، غير أنه ضعيف ، فإنه لا يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه ، ألا ترى إلى قوله تعالى: { وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } [ العنكبوت:48] ، أنه لا يفهم منه أنه يخطه بشماله ؛ ولأنه لو كان رسولًا إلى العرب خاصة كان قوله تعالى: { كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } [ سبأ:28] لا يناسب ذلك ، ولا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك ، وهو صدق الرسالة المخصوصة ، فيكون قوله تعالى: { كَافَّةً لِلنَّاسِ } دليلًا على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولًا إلى الكل" [2] .

ويمكن أن يقال: إن الله ذكر في هذه الآيات العرب ؛ لأنهم قوم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان موجودًا بينهم أول ما بعث ، وأما المبعوث إليهم فلم تتعرض له هذه الآيات لا نفيًا ولا إثباتًا ، وإنما جاء إثباته في آيات أخرى ، وهي ما تقدم ذكره من الآيات الدالة على عموم بعثته ورسالته إلى جميع الخلق [3] .

(1) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير8/ 115.

(2) التفسير الكبير 10/538. وانظر: محاسن التأويل 9/228.

(3) انظر: روح المعاني للألوسي 28/94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت