الصفحة 173 من 729

الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن نفي وجود التعارض بين قوله تعالى: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ } وما في معناها من الآيات وبين حديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي يدل على إباحة أكل الكبد والطحال ، هو الحق ؛ لأن تحريم الدم في هذه الآيات المطلقة مقيد بالدم المسفوح ، فلا يتناول الكبد والطحال ؛ لأنها ليست دماء مسفوحة كما تقدم.

وأما ما لجأ إليه بعض أهل العلم من الجمع بين هذه الآيات وحديث ابن عمر رضي الله عنهما بالتخصيص ، فيمكن مناقشته بما يلي:

1-أن القائلين بذلك يتعاملون مع الآيات المطلقة الدالة على تحريم الدم ، دون الآية المقيدة لها ، بكون الدم مسفوحًا ، وقد سبق أن حمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحالة محل إجماع.

2-أنه لا يمكن أن يعمل بالآيات المطلقة، دون الآية المقيدة لها ، في حالة اتحاد الحكم والسبب ؛ لأن المقيد بيان للمطلق بالتقليل من شيوع المطلق وانتشاره ، وكاشفًا عن مراد الشارع منه [1] ، فحين يحمل المطلق على المقيد في هذه المسألة ، فإن تحريم الدم في الآيات المطلقة ينحصر بالمسفوح ، فلا يتناول الكبد والطحال ، وعليه فلا يحتاج إلى القول بالتخصيص.

وأما القول بالنسخ فقد تقدم في المسألة السابقة بيان ضعفه ، ومنا قشته بما يغني عن إعادته مرة أخرى ، ويمكن أن يقال هنا: إنه لا تعارض في هذه المسألة يدعو إلى القول بالنسخ ، فالتعارض بين هذه الآيات وحديث ابن عمر رضي الله عنهما منتفٍ من أصله ، كما تقدم ، والله أعلم .

(1) انظر: المطلق والمقيد ل د. الصاعدي ص 169، منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث ل د. السوسوة ص 163، 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت