الصفحة 239 من 729

لقد سبق في تخريج هذين الحديثين والحكم عليهما أن حديث جابر - رضي الله عنه - قد رجح الحفاظ أنه موقوف ، وإن كان مرفوعًا فهو ضعيف ؛ لأن في إسناده الحجاج ابن أرطاة [1] ، كما تقدم.

وأما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فضعيف ؛ لانقطاعه ،كما تقدم .

وإذا كان الأمر كذلك فإن هذين الحديثين لا تقوم بهما حجة ، ويكون قوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ... الآية } سالمًا عن المعارضة ، ودليلًا على وجوب العمرة بناءً على هذا التفسير.

قال الشاطبي:"التعارض إذا ظهر فلا بد من أحد أمرين: إما الحكم على أحد الدليلين بالإهمال ، فيبقي الآخر هو المعمل لا غير ؛ وذلك لا يصح إلا مع فرض إبطاله ، بكونه منسوخًا ، أو تطرق إليه غلط ، أو وهم في السند ، أو في المتن ، إن كان خبر آحاد ، أو كونه مظنونًا يُعارض مقطوعًا به ، إلى غير ذلك من الوجوه القادحة في اعتبار ذلك الدليل ، وإذا فرض أحد هذه الأشياء ، لم يُمكن فرض اجتماع الدليلين فيتعارضا ، وقد سلموا أن أحدهما إذا كان منسوخًا ، فلا يعد معارضًا ، فكذلك ما في معناه ، فالحكم إذًا للدليل الثابت عند المجتهد ، كما لو انفرد عن معارض من أصل" [2] .

وبهذا يندفع ما قد يتوهم من التعارض بين هذه الآية والأحاديث التي تدل على أن العمرة ليست بواجبة ، والله تعالى أعلم.

وقد رام بعض أهل العلم التوفيق بين قوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ... الآية } وهذين الحديثين ، فسلكوا مسلكي الجمع والنسخ ، وذلك كما يلي:

أولًا: مسلك الجمع بين الآية وهذين الحديثين:

(1) الحجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة النخعي، أبو أرطاة الكوفي ، القاضي أحد الفقهاء ، صدوق كثير الخطأ والتدليس ، مات سنة (145هـ) . انظر: الكاشف للذهبي 1/311، تقريب التهذيب لابن حجر ص 152.

(2) الموافقات 5/349.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت