الصفحة 330 من 729

وبعد ذلك كله فإنه يترجح الأخذ بمسلك الجمع في هذه المسألة ؛ لأن فيه إعمالًا لجميع الأدلة ، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو بعضها.

وجميع أوجه الجمع السابقة محتملة ، ويندفع بها ما قد يتوهم من التعارض بين الأحاديث التي يفهم منها جواز ربا الفضل والآيات والأحاديث التي تدل على تحريمه ، إلا أن الجمع الذي يظهر رجحانه ـ والله أعلم ـ هو أن يحمل لفظ الربا في حديث أسامة - رضي الله عنه - على الربا الكامل والأغلظ والكثير ؛ لأن هذا أسلوب شائع في اللغة العربية ، فله نظائر في القرآن والسنة وكلام العرب ، وهذا هو الوجه الثالث من أوجه الجمع.

ويحمل حديث أبي المنهال على بيع جنس بجنس آخر متفاضلًا ، فإنه لا يكون فيه ربا إذا كان يدًا بيد ؛ لأنه جاء التصريح باختلاف الجنس ، في رواية أخرى عن أبي المنهال ، والروايات يفسر بعضها بعضًا ، كما سبق بيانه في الوجه الأول من أوجه الجمع ، وبهذا تجتمع الأدلة من الكتاب والسنة.

وأما مسلك النسخ فيمكن أن يناقش بما يلي:

1-أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع ، كما هو مقرر في علم أصول الفقه ، والجمع هنا غير متعذر ، فقد سبق ذكر أوجه الجمع.

2-أنه يشترط للقول بالنسخ معرفة التاريخ حتى يُنسخ المتقدم بالمتأخر منهما ، وفي هذه المسألة يبقى معرفة المتأخر من المتقدم مجرد احتمال ، فغاية ما في حديث أبي المنهال أن الصحابة كانوا يتعاملون بربا الفضل عندما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وليس في الحديث ما يفيد إباحته ، سيما وقد حُمل الحديث على اختلاف الجنسين ؛ لتصريح الرواية الأخرى بذلك.

كما أن في أحاديث فضالة وأبي سعيد وأبي هريرة - رضي الله عنهم - المتقدمة نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن معاملات ربوية في خيبر وبعدها ، وليس فيها دلالة صريحة على أن ربا الفضل لم يحرم إلا في ذلك الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت