الصفحة 340 من 729

قال ابن العربي:"إن من زعم أن هذه الآية مجملة ، فلم يفهم مقاطع الشريعة ، فإن الله تعالى أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى قوم هو منهم بلغتهم ، وأنزل عليهم كتابه تيسيرًا منه بلسانه ولسانهم ، وقد كانت التجارة والبيع عندهم من المعاني المعلومة ، فأنزل عليهم مبينًا لهم ما يلزمهم فيهما ويعقدونهما عليه ، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } [ النساء 29 ] ... إن جميع ما أحل الله لهم ، أو حرم عليهم كان معلومًا عندهم ؛ لأن الخطاب جاء فيه بلسانهم فقد أطلق لهم حل ما كانوا يفعلونه ، من بيع وتجارة ويعلمونه ، وحرم عليهم الربا ، وكانوا يفعلونه ، وحرم عليهم أكل المال بالباطل ، وقد كانوا يفعلونه ، ويعلمونه ويتسامحون فيه ، ثم إن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلقي إليهم زيادة فيما كان عندهم من عقد ، أو عوض لم يكن عندهم جائزًا ، فألقى إليهم وجوه الربا المحرمة في كل مقتات ، وثمن الأشياء مع الجنس متفاضلًا ، وألحق به بيع الرطب بالتمر ، والعنب بالزبيب ، والبيع والسلف ، وبين وجوه أكل المال بالباطل في بيع الغرر كله ، أو ما لا قيمة له شرعًا فيما كانوا يعتقدونه متقومًا ، كالخمر والميتة والدم وبيع الغش ، ولم يبق في الشريعة بعد هاتين الآيتين بيان يفتقر إليه في الباب ، وبقي ما وراءهما على الجواز ، إلا أنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا يصح ستة وخمسون معنى نهى عنها" [1] .

(1) أحكام القرآن1/ 321-323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت