فهرس الكتاب
وأما تقديم الوصية على الدين في الذكر في قوله تعالى: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } فإنه لا يوجب الترتيب ، وتقديم الوصية في الحكم والعمل عند إخراج الحقوق المتعلقة بالتركة قبل قسمة المواريث ؛ لأن معنى الآية كما قال ابن جرير:"إن الذي فرضت لمن فرضت له منكم في هذه الآيات ، إنما هو له من بعد إخراج أي هذين كان في مال الميت منكم ، من وصية أو دين ، فلذلك كان سواء تقديم ذكر الوصية قبل ذكر الدين ، وتقديم ذكر الدين قبل ذكر الوصية ؛ لأنه لم يرد من معنى ذلك إخراج الشيئين ، الدين والوصية من ماله ، فيكون ذكر الدين أولى أن يبدأ به من ذكر الوصية" [1] .
وقال ابن عطية:"وهذه الآية إنما قصد بها تقديم هذين الفعلين على الميراث ، ولم يقصد بها ترتيبهما في أنفسهما ، ولذلك تقدمت الوصية في اللفظ ، والدين مقدم على الوصية بإجماع" [2] .
وللتقديم في الذكر دون التقديم في العمل ، نظائر في القرآن الكريم ، منها قوله تعالى: { يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } [ آل عمران: 43] ، فقدم السجود على الركوع في الذكر ، مع أن الركوع مقدم على السجود في الصلاة المشروعة [3] .
ويمكن القول أن ما استقر عليه الإجماع من تقديم الدين على الوصية قد أشار إليه القرآن الكريم قبل ذلك ؛ وذلك حينما قال الله سبحانه بعد قسمة التركة على الورثة:
(1) جامع البيان 6/474.
(2) المحرر الوجيز 2/17، وانظر: معالم التنزيل للبغوي ص 280.
(3) انظر: شرح مشكل الآثار للطحاوي 10/305.