الصفحة 424 من 729

وقد سلك أهل العلم مسلك الجمع بين الآية والحديث ، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:

الوجه الأول: أن الآية من العام الذي أريد به الخصوص ، فهي عامة في نهي الإنسان عن تمني ما فضل الله به غيره عليه ، لكن أريد بها النهي عن الحسد المذموم خصوصًا ، وهو تمني عين المتفضل به ، دون تمني ما يماثله ، بدليل ما جاء في السنة من جواز الغبطة والحض عليها.

وإذا كان النهي عن التمني في الآية الكريمة يراد به حالة واحدة من أحوال التمني ، وهي الحسد الحقيقي المذموم ، والحديث يحمل على حالة أخرى ، وهي ما يعرف بالحسد المجازي أو الغبطة ، فلا تعارض بين الآية والحديث.

وبهذا جمع ابن كثير حيث قال:"وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: #ِq¨YyJtGs?wur { مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله ، فنهى الله عن ذلك ، ولكن ليسأل الله من فضله ، وكذا قال محمد بن سيرين والحسن والضحاك وعطاء نحو ذلك ، وهو الظاهر من الآية ، ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح ـ ثم ذكر الحديث ـ فإن هذا شيء غير ما نهت الآية عنه ، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا ، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا" [1] .

الوجه الثاني: أن الآية عامة في نهي الإنسان أن يتمني ما فضل الله به غيره عليه مطلقًا ، سواء أكان التمني مصحوبًا بما يصير به من جنس الحسد ، وهو أن يتمنى زوال ما وقع به التفضيل بأن يتمنى عينه ، أم يتمنى مثله وهو ما يعرف بالغبطة ، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة ، يكون مخصصًا لهذا العموم ، ولا تعارض بين عام وخاص ، بل يحمل العام على الخاص.

ويؤيد ذلك أن ( ما ) في الآية موصولة ، والموصولات من صيغ العموم.

وإلى هذا الوجه ذهب الشوكاني [2] .

التوجيه والترجيح:

(1) تفسير القرآن العظيم 2/287.

(2) انظر: فتح القدير 1/460.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت