فهرس الكتاب
قال ابن رجب:"فإن حصل لأحدٍ فضيلة خصصه الله بها عن غيره ، فأخبر بها على وجه الشكر ، لا على وجه الفخر ، كان حسنًا ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول شافع ولا فخر"، وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل ، لأتيته" [1] .
الوجه الثالث: أن تزكية النفس إذا ترتب عليها مصلحة شرعية ، كإقامة الحق والعدل ، أو درء مفسدة ، ورد تهمة ونحو ذلك ، فإنها جائزة ، بخلاف التزكية المجردة التي يقصد منها المدح والثناء ، والفخر والخيلاء .
ويدل لذلك قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف: 55] ، وقد قال يوسف عليه السلام ما قاله ؛ لأن الملك يجهل حاله [2] ، أو لعلمه أنه لا أحد في زمنه أقوم منه بذلك العمل ، فكان متعينًا عليه فزكى نفسه ، ليتوصل إلى ما هو من وظيفة الأنبياء ، من إقامة العدل وبسط الحق ونحو ذلك [3] .
كما يدل لذلك الحديثان المتقدمان ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزكِ نفسه ابتداءً ، ولم يقل:"إني أمين"إلا لما وُصف بعدم العدل وعدم الأمانة.
(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري له 1/42.
(2) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/395، الكاشف عن حقائق السنن للطيبي 11/3645.
(3) انظر: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن للأنصاري ص 116.