فهرس الكتاب
والجمع الذي يظهر رجحانه ـ والله أعلم ـ هو ما تقدم ذكره في الوجه الأول من أوجه الجمع ، وهو أن حديث عدي - رضي الله عنه - يحمل على ما إذا أكل الجارح من الصيد مباشرة ، وحديث أبي ثعلبة يحمل على ما إذا قتله وتركه ثم جاع فعاد فأكل منه.
قال ابن القيم:"فالفرق بين أن يصطاد ليأكل ، أو يصطاد ثم يعطف عليه فيأكل منه فرق واضح ، فهذا أحسن ما يجمع به بين الحديثين ، والله علم" [1] .
وأما الوجه الثاني وهو أن حديث عدي محمول على كراهة التنزيه ؛ لأن عديًا كان موسرًا ، فكما قال ابن حجر:"ولا يخفى ضعف هذا التمسك مع التصريح بالتعليل في الحديث بخوف الإمساك على نفسه" [2] .
وأما الوجه الثالث فلا يخفى تكلفه وبعده ، قال النووي:"وهذا تأويل ضعيف ، والله أعلم" [3] .
وأما الوجه الرابع ففيه بعد ؛ لقوله في حديث أبي ثعلبة - رضي الله عنه -:"إن أكل منه ؟ قال: وإن أكل منه"؛ أي نفس الكلب الصائد.
وأما مسلك النسخ فقد رده القرطبي قائلًا:"قال أبو عمر في كتاب الاستذكار: وقد عارض حديث عدي هذا حديث أبي ثعلبة ، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له ،... قلت: هذا فيه نظر ؛ لأن التاريخ مجهول ، والجمع بين الحديثين أولى ما لم يعلم التاريخ ، والله أعلم" [4] .
وأما مسلك الترجيح فإنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع.
وعلى كل حال فالقول بمسلك الترجيح ، لا يقدح في وجه الجمع المختار ،كما أن القول بما ترجح من أوجه الجمع لا يعارض مسلك الترجيح ، ويتضح ذلك جليًا بعمل الأئمة القائلين بالترجيح ، حيث أعمل بعضهم الجمع بين الحديثين ، ثم ذكروا عددًا من المرجحات لحديث عدي - رضي الله عنه - ، وتقديمه على حديث أبي ثعلبة - رضي الله عنه - كما تقدم.
(1) تهذيب السنن 8/59.
(2) فتح الباري 9/602. وانظر: نيل الأوطار للشوكاني 9/7.
(3) المجموع شرح المهذب 9/106.
(4) الجامع لأحكام القرآن 6/70.