فهرس الكتاب
قال المازري:"إن من شرط العقر عندنا أن يقع على صفة فيها تنييب وإدماء ، أو ما في معنى ذلك ، فإن مات الصيد انبهارًا أو روعًا من غير مماسة أداة الصائد لم يؤكل بغير خلاف ، وإن كان بعد مماسة أداة الصائد وإدمائها على ما ذكرناه أُكل بغير خلاف ، وإن كان بمماسّتها مصادمة أو ما في معناها ففي أكله قولان ، إذا كان ذلك من الكلاب ، فوجه المنع قوله سبحانه: { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } [المائدة: 4] وظاهره ما جرح ؛ ولأنه في معنى المعراض ، وقد ورد به الحديث" [1] .
وقد سلك أهل العلم في دفع ما يتوهم من التعارض بين الآية وهذين الحديثين مسلك الجمع ، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:
الوجه الأول: أن الآية مطلقة في حل أكل الصيد سواء جرح وأنهر دمه ، أولم يجرح وينهر دمه ، وهذان الحديثان مقيدة لذلك الإطلاق باشتراط الجرح وإنهار الدم ، وأن ما لم ينهر دمه لا يحل ، ولا تعارض بين المطلق والمقيد ، بل يحمل المطلق على المقيد.
وإلى هذا ذهب الزيلعي [2] ، وحكاه ابن كثير عن المزني [3] .
(1) المعلم بفوائد مسلم 3/44.
(2) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق له 6/52.
والزيلعي هو: أبو محمد عثمان بن علي بن محجن بن يونس الزيلعي ، الملقب فخر الدين ، الإمام العلامة قدم القاهرة ، ودرس وأفتى بها ، وصنف وانتفع الناس به ، مات بمصر سنة (743هـ) .
انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية لأبي الوفاء القرشي ص345، معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 2/365.
(3) انظر: تفسير ابن كثير 3/19. والذي يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن المزني قاس عدم حل ما قتلته الجوارح ولم تدمه كأن قتله الكلب بثقله على ما صاده المعراض بعرضه فلم يجرحه ، فهو من باب القياس وليس من باب حمل
المطلق على المقيد ، فقد قال في مختصره ص 282 بعد أن ذكر القولين في المسألة:"الأول ـ أي عدم الحل ـ أولاهما قياسًا على رامي الصيد أو ضاربه لا يؤكل إلا أن يجرحه".