الصفحة 641 من 729

التوجيه والترجيح:

لقد أجمع أهل العلم على أنه لا يؤاخذ ولا يعذب أحدٌ بذنب غيره ، مستندين في ذلك الإجماع على الكتاب والسنة كما تقدم.

ولذا عمد جمهور أهل العلم إلى تأويل النصوص الصحيحة التي قد يكون ظاهرها يوهم التعارض مع هذا الأصل العظيم الثابت في قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .

قال الشوكاني:"وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث ؛ لمخالفتها للعمومات القرآنية ، وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له" [1] .

ومن تلك النصوص ما جاء في السنة من تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ، وقد سبق الجمع بين قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، وحديث عمر - رضي الله عنه - ، وما في معناه من الأحاديث التي تدل على تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ، والناظر لأوجه الجمع المتقدمة سوى الوجه الأول والثاني ، يجد أنه يمكن القول بها كلها ، وتنزيلها على أشخاص ، أو أحوال مختلفة ؛ لأنه ليس بينها تعارض ، ولم يرد نص في اختصاص العذاب الوارد في الحديث بنوع ، أو سبب معين.

فإذا أوصى الإنسان أهله بالبكاء والنياحة عليه ، أو كان ذلك من سنته ، أو عرف من أهله ذلك ولم ينههم ، أو ندبه أهله بالقبيح المحرم من أفعاله ، وهو يعاقب بها وقت ندبهم له ، أو وُبخ على تلك الأفعال ، فإن هذه الأمور أسباب يستحق عليها العذاب ، فإن عذب بها ، أو ببعضها ، فإنه إنما يعذب بسبب فعل نفسه.

وإن لم يفعل شيء من ذلك كان عذابه بتأذيه بما يراه من أهله ، في مخالفتهم الشرع وقيامهم بالنياحة ، أو لرقته لهم وشفقته عليهم ، بسبب حزنهم وبكائهم عليه ؛ لأن الإنسان كما قال ابن تيمية:"يعذب ويتأذى بالأمور المكروهة التي يشعر بها ،كالأصوات المزعجة ، والروائح الكريهة ، وإن كان ذلك ليس عملًا له عوقب عليه" [2] .

(1) نيل الأوطار 4/156.

(2) انظر: الفتاوى 24/374.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت