الصفحة 651 من 729

قال القاضي عياض:"وقد ردت المبتدعة هذا الحديث ، وقالوا: يعارضه قوله: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ، وقد غلطوا في النظر والتأويل ، وهذا إنما عوقب بوزره وظلمه أخاه... لكنه سقطت حسناته لما قوبلت سيئاته ومظالمه ، وزادت عليها في الوزر ، واستوجب العقوبة بما زاد ، وكان ثواب حسناته الساقطة في الوزن للمظلوم ؛ ثوابًا على صبره ومحنته به ، وفضلًا زاده الله من عنده ، وإنما عوقب بما اجترح ، وعلى وزره ، ولم يظلم ، ولا أخذ شيء من عمله ، ولا أحبط إلا بحكم الموازنة والمحاسبة ، ورجحان السيئات ، قال الله تعالى: { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } [المؤمنون: 103] ، فمعنى أخذ الحسنات ، وطرح السيئات ، نوع من العقوبات التي أعدها الله للظالمين ، وزيادة في ثواب المظلومين الصابرين ، لا أنه مؤاخذ بذنب لم يعمله من ذنوب غيره ... هذا مذهب أهل السنة والجماعة ، وعليه يتأول ظاهر الحديث ، حتى لا يجد فيه ملحد مطعنًا ، ولا له به حجة" [1] .

وبهذا يندفع ما قد يتوهم من التعارض بين الآية وهذا الحديث ، ولله الحمد والمنة.

الصورة الخامسة: دفع ما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وما جاء في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهرقل:"فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" [2] ، وذلك أن يقال:

سلك أهل العلم مسلك الجمع بين قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وهذا الحديث فقالوا:

(1) إكمال المعلم 8/50 ،51.

(2) وقد أشار إلى ما قد يتوهم من التعارض بين الآية وهذا الحديث الكرماني في شرحه لصحيح البخاري 1/62، وابن حجر في فتح الباري 1/39 ، والقسطلاني في إرشاد الساري 1/80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت