فهرس الكتاب
لا شك أن الحبشة تمثل قوة يحسب حسابها العرب، وللأحباش تاريخ في غزوة مكة- كما في حادثة الفيل - وإن قدم من اليمن، ولكنه مدفوع من الأحباش.
وقريش على صلة بالحبشة والأحباش - ووفد قريش للنجاشي محملًا بالهدايا - يؤكد هذه الصلة،ولذا فإن كسب النجاشي لصالح المسلمين يقطع الطريق على قريش للاستعانة بالأحباش في سبيل القضاء على قوة المسلمين الناشئة، وقد تجد قريش من اختلاف المعتقد بين النصارى والمسلمين ما تتكئ عليه في تأليب الأحباش النصارى ضد المسلمين وإذا ثبت علاقة اليهود بالمدينة بقريش، وتعاونهما معًا في سبيل محاصرة المسلمين والقضاء عليهم وقد بلغت ذروتها في غزوة الأحزاب، فهل يستحيل على قريش أن تصنع مثل ذلك مع نصارى الحبشة؟
وبالتالي فإن بقاء وفد أو مجموعة - تمثل المسلمين - بجوار النجاشي تذكره دائمًا بالإسلام، وتبلغه ما ينزل من القرآن، وتبقيه على صلة برسول الإسلام والمؤمنين معه فتلك مهمة تستحق أن يبقى من يرعاها وكيف إذا كان زعيم المرشحين لها ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشبه الناس بخلقه وخُلقه (1) .
ولعل مما يقوي بقاء جعفر ومن معه لهذه المهمة أن قريشًا لم تنقطع صلتها بالنجاشي ولم يكن بعثها الذي بعثته للنجاشي حين وصل المهاجرين للحبشة - آخر بعثة لها - بل كانت تفكر في النجاشي كلما ضاق بها الأمر، ومن أمثلة ذلك بعثها للنجاشي حين انكسرت في غزوة بدر.
فقد أورد ابن عبد البر بسنده إلى الزهري قال: بلغني أن مخرج عمرو بن العاص وابن أبي ربيعة إلى أرض الحبشة فيمن كان بأرضهم من المسلمين كان بعد وقعة بدر (2) .
(1) ثبت في مناقب جعفر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - له:"أشبهت خلقي وخلقي"صحيح البخاري مع الفتح 7/75.
(2) الدرر في اختصار المغازي والسير ص 91.