فهرس الكتاب
تقول أم حبيبة - في هذه الرواية - رأيت في النوم عبيد الله زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت وقلت: تغيرت والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبّح: إني نظرت في الدين فلم أرَ دينًا خيرًا من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، وقد رجعت، فقلت: والله ما خيرٌ لك، وأخبرته بالرؤيا فلم يحفل بها، وأكبَّ على الخمر حتى مات، فأرى في النوم كأن آتيًا يقول: يا أم المؤمنين، ففزعت فأولتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتزوجني…. وذكرت بقية القصة بطولها (1) .
وقد أنكر الذهبي هذه الرواية في السير (2) ، وسكت عنها في تلخيصه للمستدرك (3) .
ولم يبين لنا الذهبي سبب إنكاره لها، وهل يقصد بالنكارة بقية القصة أم القصة بكاملها؟ كما يلاحظ أنه سبق للذهبي ذكر القصة في موضع آخر بأطول مما ذكر هنا ولم يعلق عليها بصحة ولا نكارة (4) .
وعلى كل حال فثبات أم حبيبة على الإسلام حين ارتد زوجها ثابت بغير هذه الرواية وهو - كما قلت - مؤشر على عدم تأثر المهاجرين بتنصر عبيد الله بن جحش.
وإذا كان هذا من دلالات الحدث، فيمكننا أن نستشف من دلالات الحدث كذلك قوة النصرانية في الحبشة - في هذه الفترة - وكثرة النصارى وقلة المسلمين إلى درجة أغرت عبيد اله بن جحش وشجعته على الالتحاق بالنصرانية، والسخرية بالإسلام والمسلمين.
وإذا احتملنا هذا، فثمة احتمال آخر يمكن - دون قطع - أن يُفسر به تنصر عبيد الله جحش، هو خليفته التاريخية، وأطوار حياته التي مرَّ بها حتى أسلم، فقد تفسر هذه اضطرابه وعدم ثباته على شيء؟ فقد مرت حياته بالوثنية أولًا ، ثم بالكره لها ، والالتباس ثانيًا ، ثم
بالنصرانية ثالثًا، ثم بالإسلام، ثم عاد إلى النصرانية ومات عليه.
(1) انظر: الرواية بطولها عند ابن سعد: الطبقات 8/97-98، والحاكم: المستدرك 4/20-22.
(2) سير أعلام النبلاء 2/221.
(4) سير أعلام النبلاء 1/441-443.