فهرس الكتاب
وصدقت الأحداث الجارية في أرض الحبشة شهادة النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي بالعدل والحكمة، وفي المسند من حديث أم سلمة رضي الله عنها الطويل في قصة الهجرة ما يؤكد عدله مع المسلمين المهاجرين حين حاولت قريش عن طريق مبعوثها إثارة النجاشي وإخراج المهاجرين، فلم تؤثر فيه هداياهم ولم يصدق الشائعات فيهم، ورأى الاستماع إليهم، وحين أعجبه منطقهم وأحس بصدقهم، وآنس منهم الإيمان رد رسولي قريش مقبوحين، وعاش المسلمون المهاجرون عنده بخير دار وخير جوار (1) .
والنجاشي حين يعدل مع المسلمين ويرفض أخذ الرشوة فيهم، يتذكر قصة الظلم الواقعة عليه من الأحباش، ويشكر الله على رد ملكه له، ويأبى أن يعامل المسلمين معاملة تحرج عن أطار هذا العدل الذي مكنه الله به من تملكه لأرض الحبشة، والخبر بطوله أخرجه ابن إسحاق، والشاهد منه قول النجاشي: ( ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه ) أما تفصيل الخبر فقد قال ابن إسحاق: قال الزهري فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر ابن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة ين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه؟ قلت: لا؛ قال: فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولدٌ إلا النجاشي، وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر رجلًا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه اثنى عشر رجلًا، فتوارثوا ملكه من بعده، بقيت الحبشة بعده دهرًا، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملكوه أخاه، فمكنوا على ذلك حينًا.
(1) المسند 1/201-5/290، بإسناد قوي، كما أخرجه ابن إسحاق في السيرة مسندًا مصرحًا بالحديث (السيرة لابن هشام 1/413) .