فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 161

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل روى ابن إسحاق خروج الحبشة على النجاشي، حين فارق دينهم، قال ابن إسحاق، وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي إنك قد فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيأ لهم سُفنًا، وقال: اركبوا فيها وكانوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مرين، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة، وصفوا له، فقال يا معشر الحبشة: الست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا: خير سيرة ، قال: فما بالكم ؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد

قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال النجاشي - ووضع يده على صدره على قبائه - هو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئًا، وإنما يعني ما كتب، فرضوا وانصرفوا عنه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما مات النجاشي صلى النبي عليه واستغفر له (1) .

إنها قمة الصلاح وهو يعتقد العقيدة الحقة في عيسى عليه السلام في بيئة تأبى ذلك وترفضه، ومنتهى العدل مع المسلمين وهو يخبرهم بالاستعداد للخروج في حال هزيمته، ولعله أثر المصلحة حين تأول على الأحباش ولم يصطدم معهم.

جـ ـ الحبشة متجر قريش.

كانت قريش على صلة بالحبشة فلا علاقات تجارية، إذ من المعلوم أن التجارة عماد اقتصاد القرشيين، والحبشة من مراكز التجارة في الجزيرة وكان لهم رحلتان في الشتاء والصيف، وحين يفكر المسلمون في الهجرة خارج بلادهم يجدون في الحبشة ما يخفف قليلًا من آلام الغربة ووحشة المهاجر الجديد، فربما عرفها بعضهم لذهابه في تجارة إليها، أو ذكرها لهم من ذهب إليها قبلهم.

(1) السيرة لابن هشام 1/421.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت