فهرس الكتاب
بل لنا أن نفهم من رواية (عروة) أيضًا أن حديث النجاشي مع المهاجرين يفيد لقياه بهم أول مرة، ولا يسعف النص والحوار بسابقة لقاء قبله، واسئلته لجعفر وأصحابه تفيد أن الأمر أنف، ومما قاله لهم:"أخبروني أيها الرهط ما جاء بكم؟ وما شأنكم؟ ولم أتيتموني ولستم بنجّار، ولا سؤال؟ وما نبيكم هذا الذي خرج؟ وأخبروني ما لكم لم تحبوني كما يحييني من أتاني من أهل بلدكم؟ وأخبروني ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ (1) ."
وفي رواية (أم سلمة) رضي الله عنها ما يؤكد ذلك كذلك، وقد جاء في الرواية أن قريشًا طلبت من رسوليها (عبد الله بن ربيعة، وعمر بن العاص) ، أن يسألا النجاشي أن يُسلّمهم (المهاجرين) قبل أن يكلمهم.
كما أن اجتماع المسلمين حين بلغهم طلب النجاشي وتشاورهم فيما يقولون للنجاشي إذا جاءوا إليه، ثم حديثهم إليه عن سبب الخروج من مكة، واختيار الحبشة - في كلام طويل - (2) .
كل ذلك يفهم منه بداية لقاء لا سابقة له بالنسبة للمهاجرين، ولا معرفة قبله بحالهم بالنسبة للنجاشي.
وحين يغلب على ظننا عدم لقيا النجاشي بأصحاب الهجرة الأولى، إذ لا دليل يثبت خلافه، فيغلب على الظن كذلك عدم معرفة النجاشي بحالهم وسبب قدومهم، وإذا كانت المرويات السابقة تؤكد هذا الفهم، ففي المقابل لا نجد ما نعتمده في معرفة النجاشي بالمهاجرين قبل لقياه بهم، بل نجد في رواية (أبي موسى) رضي الله عنه استغراب النجاشي لخبر وجود المهاجرين حين بلّغه وفدًا قريش (عمرو، وعمارة) قائلين:"إن ناسًا من أرضًا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك"فردّ النجاشي: فقال لهم في أرضي؟ قالوا: نعم، فبعث إلى المهاجرين، وكان جعفر خطيبهم… (3)
(1) مغازي عروة ص 112.
(2) انظر: السيرة لابن هشام 1/413-415.
(3) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي: مجمع الزوائد 6/30، 31.