فهرس الكتاب
كما نجد مثل ذلك في رواية (ابن مسعود) ، فحين قال مبعوثًا قريش (عمارة وعمرو) أن ناسًا من قومنا رغبوا عن ديننا، وقد نزلوا بأرضك قال النجاشي: وأين هم؟ قالا: هم في أرضك، فبعث إليهم النجاشي وكان خطيبهم جعفر.. (1) .
فإن قيل: وكيف يحل قوم غرباء بأرض فلا يعلم ملكها بحالهم حتى يأتيه من يخبره بأمرهم ووجودهم؟ أمكن الإجابة عن ذلك بعدة أمور:
أ ـ قلة عدد المهاجرين (الهجرة الأولى) فمجموعة لا يزيد عددها عن اثني عشر، وربما كانوا أقل لا يستغرب خفاء أمرها في البداية، سيما وهي ليست مكلفة بمقابلة النجاشي ابتداءً، وليست بعثة مفاوضات حتى يشتهر أمرها.
ب ـ يبدو من استقراء النصوص أن المسافة الزمنية بين الهجرتين (الأولى والثانية) قصيرة فما أن استقر أصحاب الهجرة الأولى حتى لحق بهم أصحاب الهجرة الثانية وعبارات (ابن إسحاق) توحي التتابع واتصال الهجرتين، فهو يقول بعد حديثه عن الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه (2) .
ويفهم من حديث الواقدي عن الهجرتين وقعتا في عام واحد، وأن الفاصل الزمني بين الهجرتين ثلاثة أشهر تقريبًا، فأصحاب الهجرة الثانية آذن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى الحبشة (مرة ثانية) بعد أن اشتد أذى قريش عليهم، إثر قدوم أصحاب الهجرة الأولى من الحبشة إلى مكة حين بلغهم إسلام أهل مكة، وأهل الهجرة الأولى خرجوا إلى الحبشة في رجب سنة خمس فأقاموا شعبان ورمضان وقدموا مكة في شوال
سنة خمس (3) .
(1) دلائل النبوة للبيهقي 2/298، ورواه الطبراني وقال الهيثمي: وفيه خديج بن معاوية، وثقة أبو حاتم، وقال: في بعض حديثه ضعف، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد 6/24) .
(2) السيرة لابن هشام 1/399-400.
(3) الطبقات 1/206، 207.