فهرس الكتاب
لماذا كل هذا الاستعداد والشحن، أن خشيت قريش على مستقبلها العسكري بسبب هؤلاء المهاجرين؟ أم تخشى على مستقبلها الاقتصادي؟ لا نجد - من تتبع الروايات وحديث الوفد - ما يشير إلى شيء من ذلك ولا نجد في أحاديث المهاجرين ابتداءً وهم في مكة، ولاحقًا حين استقروا بأرض الحبشة أي إشارة للتخطيط لتكوين قوة عسكرية أو اقتصادية تهدد قريشًا، أكثر من وجدنا الفرار بالدين للمهاجرين، والرغبة في نشره عند أقوام آخرين - كما سبق البيان مفصلًا- ولو كان شيء من ذلك مبيتًا لما رجع المهاجرون إلى مكة بعد ثلاثة أشهر تقريبًا، ولما رجع آخر المهاجرين بعد ولم يخلفوا، أثرًا عسكريًا أو اقتصاديًا يذكر، أنه الفرار بالدين والدعوة إليه في العالمين يحسبه الأعداء دائمًا تخطيطًا للقضاء عليه، وخطرًا يهدد مصالحهم، وتلك مؤشر لقوة الحق وإن كان أصحابه ضعفاء مشردين، وضعف الباطل وإن كان ملأؤه أقوياء ممكنين.
إذًا ما هدف قريش من هذه الوفادة؟
جاء في رواية ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة وأنهم قد أصابوا بها دارًا وقرارًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشي، فيردهم عليهم ليفتنوهم في دينهم ويخرجونهم من دارهم التي أطمأنوا بها، وأمنوا فيها (1) . وهذا ما ورد في رواية أم سلمة رضي الله عنها (2) .
وفي رواية أبي موسى وابن مسعود أن وفدا قريش قالا:"إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا"أو"رغبوا عن ديننا" (3) .
(1) السيرة النبوية لابن هشام 1/411-412.
(2) السيرة لابن هشام 1/413، وانظر: دلائل النبوة لأبي نعيم ص 82، ومجمع الزوائد 6/25.
(3) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 84، والمستدرك 2/310، وصحيحه الحاكم، ومجمع الزوائد 6/24.