فهرس الكتاب
أين كان يسكن المهاجرون، وما نوع مسكنهم، ومطعمهم، كيف كان لباسهم، وهل احتفظوا بزيهم؟ ما لغة الخطاب مع الأحباش؟ وهل تعلم أحدٌ منهم الحبشية؟ أم كان الأحباش يتكلمون العربية؟ ما نوع عبادتهم، وأين أماكنها؟ وهل يجتمعون لها؟ ما نوع العمل الذي مارسوه، وما هي مصادر الدخل التي تمولهم لسد حاجتهم ومن يعولون؟ إلى غير ذلك من أسئلة تظل الإجابة عنه رهينة استقراء النصوص في جوانب يسيرة منها، ويظل الكثير منها دون إجابة حتى تتوفر نصوص تكشف عنها.
ومع ذلك فالمتأمل في نصوص الهجرة، وأحوال المهاجرين يمكنه أن يرصد شيئًا من مظاهر القلق والخوف، وشيئًا آخر من مظاهر الأمن والراحة وحرية العبادة ونفوذ الكلمة للمهاجرين.
ومن مظاهر القلق وخلخلة الأمن التي طالت آثارها المهاجرين، ما رواه البيهقي بسنده إلى القاسم قال:"خرج عبد الله بن مسعود في رهط من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الحبشة في البحر، وكان بها سوق يبيعون ويشترون فانطلق عبد الله وحده وأخذ ما معه فقال له صاحب منزله: إن أراك تنطلق وحدك، وإني أحذرك رجلًا بلغ من شره لا يلقى غريبًا إلا ضربه أو قتله وأخذ ما معه، قال: ثم وصف لي وصفة الرجل، فلما جئت السوق عرفته بالصفة فجعلت استخفي منه بالناس لا يأخذ طريقًا إلا أخذت غيره حتى بعت ما معي دينارين ثم إن غفلت غفلى فلم أشعر إلا وهو قائم على رأسي قد أخذ بيدي فجعل يسألني ما معك؟ قال: قلت له اتجعل لي أن يخلى سبيلي أعطك ما معي؟ قال: وكم معك؟ قال: قلت له ديناران: قال: زدني، قلت: ما بعت إلا بهما، قال زدني: قال فبينما هو إذ بصر به رجلان وهما تلّ فانحطا نحوه، فلما رآهما خلى سبيلي وهرب، فجعلت أناديه هاك الدينارين ، فقال: لا حاجة لي فيهما واتبعا ورجعت إلى أصحابي" (1) .
(1) دلائل النبوة 2/298-299.