فهرس الكتاب
هذا النص يكشف لنا عن طرف من أحوال المهاجرين الاجتماعية من جانب ويشير إلى الظروف الأمنية التي أحاطت هم في أرض الحبشة في ظروف معينة من جانب آخر.
ولئن كان هذا الحدث مؤشرًا لاختلاط المهاجرين بأهل الحبشة، وعدم قيام فوارق (اللغة) حاجزًا دون التعامل في البيع والشراء والأخذ والعطاء فثمة إشارة من أحد الباحثين إلى أن المهاجرين إلى الحبشة لم يختلطوا بغيرهم اختلاطًا واسعًا ، بل أنهم كانوا في أماكن خصصت لهم لا تمكنهم من الاندماج الكامل والعيش الطبيعي في أوساط المجتمع… كما يقول الدكتور علي الشيخ، والذي أضاف قائلًا:"كما أن عامل اللغة من المعوقات التي تعرقل نشاطهم، وتضعف جهودهم لنشر الإسلام في الأوساط الشعبية لأن المهاجرين مما كانوا يعروفون اللغات المتداولة هناك، وهذا حاجز طبيعي يحد من أنشطتهم الدعوية والعلاقات الاجتماعية (1) ."
ولكن الدكتور لم يعتمد دليلًا لهذه الآراء، ولم يثبت لها مصدرًا.
ومن مظاهر قلق المهاجرين وعدم أمنهم ووجود من يؤذيهم: إجابتهم للنجاشي حين سألهم: أيؤذيكم أحدٌ؟ قالوا: نعم، فأمر مناديًا فنادى: من آذى أحدًا من هؤلاء فأغرموه أربعة دراهم، قال: يكفيكم؟ فقلنا: لا، فأضعفها (2) .
فتأكيد المهاجرين لوجود من يؤذيهم، ورغبتهم في مضاعفة العقوبة لمن آذاهم، شواهد لهذه الظروف المحيطة بالمسلمين المهاجرين.
ويمكن أن يستشف من عودة المهاجرين إلى مكة بعد فترة قصيرة من الهجرة عدم ارتياح المهاجرين بالحبشة، وذلك باستجابتهم لخبر بلغهم لا يعدُ أن يكون إشاعة اكتشفوا زيفها قبل أن يدخلوا مكة، وقد تردد في وسطهم القول: (عشائرنا أحبّ إلينا) (3) . وبالطبع بنيت هذه المقولة على الظن بأن أهل مكة أسلموا كما سيأتي.
(1) د. علي الشيخ أبو بكر: معالم الهجرتين إلى أرض الحبشة ص 248.
(2) مجمع الزوائد 6/29من رواية جعفر.
(3) الطبقات لابن سعد 1/206.