فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 161

-هل يعد المهاجرون للحبشة ضمن المهاجرين للمدينة؟

ـ أحوال المسلمين في مكة بعد هجرة أهل الحبشة.

لم تتحسن أحوال المسلمين في مكة بعد هجرة من هاجر إلى الحبشة، بل الذي يظهر من استقراء النصوص، وتأمل الأحداث التالية لهجرة الحبشة، أن الأمور تضيق أكثر والمطاردة للمؤمنين تشتد، وشواهد ذلك ما يلي:

أ ـ ما أخرجه البخاري في صحيحه في قصة خروج أبي بكر من مكة راغبًا في الهجرة من رواية الزهري قال: فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد، لقيه ابن الدغنة فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي، فأريد أن أسبح في الأرض وأعبد ربي (1) .

وحيث أن أبا بكر ليس في عداد المهاجرين للحبشة ابتداءً - كما هو معلوم - وجهة خروجه إلى (برك الغماد) وهي موضع وراء مكة بخمس ليالي مما يلي البحر وقيل بلد باليمن (2) .

فتلك مؤشرات بل مرجحات لكون خروج أبي بكر - رضي الله عنهم - بعد خروج المسلمين من مكة واختيارهم الحبشة مكانًا للهجرة، ويؤيد ذلك قول ابن حجر وهو يشرح عبارة (خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة) حيث قال: أي ليلحق بمن سبقه إليها من المسلمين (3) .

وقبله قال ابن إسحاق بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: حين ضاقت على أبي بكر مكة وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فأذن الله، فخرج أبو بكر مهاجرًا حتى إذا سار من مكة يومًا أو يومين لقيه ابن الدغنة.. (4) .

وإذا عُلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن لأبي بكر في الهجرة للمدينة حين استأذنه ليكون صاحبه في الهجرة، كشف هذا النص عن رغبة أبي بكر للهجرة للحبشة وكشف كذلك عن طبيعة عدوان قريش على المسلمين في هذه الفترة.

(1) الصحيح مع الفتح 7/230.

(2) معجم البلدان 1/399.

(3) الفتح 7/232.

(4) السيرة لابن هشام 2/14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت