فهرس الكتاب
وإذا كان هذا إبطالًا لقصة الغرانيق من ناحية السند، فثمة إبطال لها من ناحية المتن، وذلك باستقراء جيد للنصوص، واستنتاج بديع من المرويات الصحيحة لما يكفي لإبطال القصة، وصاحب هذا النقد الأستاذ صالح الشامي، فقد أبرز جانبين مهمين بهما أبطل أن يكون سجود المشركين سببًا لعودة المهاجرين للحبشة، قال عن الأول: إن آيات سورة النجم تناولت جانبًا من الحديث عن الإسراء والمعراج، ومعنى ذلك أن سورة النجم نزلت بعد حادثة الإسراء، وحادثة الإسراء كانت قبل الهجرة للمدينة بثلاث سنين، فهل يمكن أن تكون سورة النجم سببًا لعودة المهاجرين وهي لم تنزل إلا بعد عودتهم إلى مكة بما لا يقل عن خمس سنين؟
2ـ ويضيف (الشامي) في وقفته عند حديث البخاري في سجود المشركين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: إن الحديث نص صريح بحضور عبد الله بن مسعود السجود ومشاركته فيها، فهو راوي الحديث، وقد أكد حضوره برؤية ذلك الرجل الذي لم يسجد واكتفى بأخذه كفًا من حصى والسجود عليه، وحضوره في مكة في هذا الوقت يعني أنه قد عاد من الحبشة مع من عاد من أصحاب الهجرة الثانية، وإذن فحادثة السجود وقعت بعد عودة المهاجرين وهي بالتالي لا تصلح أن تكون سببًا لعودتهم، فعبد الله بن مسعود رجع من هجرته إلى مكة مباشرة، ومكث فيها إلى أن هاجر إلى المدينة.. إلى أن يقول: نستطيع الآن أن نقول بكل الثقة والاطمئنان: أن حادثة السجود في سورة النجم لا علاقة لها من قريب أو بعيد في قضية رجوع المهاجرين الأول أو الثاني، وهذا ما يؤكد بشكل قاطع نفي قصة الغرانيق وبطلانها وهذا الدليل لإبطال قصة الغرانيق لم أرَ من وقف عليه أو استدل به من قبل (1) .
ويظل السؤال قائمًا: ما سبب عودة المهاجرين الأولى؟
(1) صالح الشامي: أضواء على دراسة السيرة ص 101-102.